سيكولوجية الانسان المقهور



في كتاب : التخلف الاجتماعي مدخل الى سيكولووجية الانسان المقهور يحلل الدكتور مصطفى حجازي حالة واقع غالبية مواطني الوطن العربي. يقارب الدكتور مصطفى حجازي ظاهرة التخلف من جانب يغاير مثيلاتها من المقاربات التقليدية الشائعة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هذه المقاربة تتجه نحو البنية والطبيعة النفسية للإنسان، مستخدما المقاربات العيادية ليكون عمله هذا منضويا تحت ما يمكن تسميته علم النفس الاجتماعي العيادي. 

والكتاب ينقسم إلى قسمين: يبحث الأول في الملامح النفسية الأساسية للإنسان المقهور، أما الثاني فيستعرض أهم الأساليب الدفاعية التي يجابه بها هذا الإنسان وضعيته في تفاعلها وتناقضها وتغيرها، وجدير بالذكر قبل الشروع في تناول أطروحات الكتاب أن نشير إلى أن المؤلف يستخدم في هذه المقاربة منهج ومفاهيم التحليل النفسي الذي ظهر في بدايات القرن العشرين على يد فرويد، وطور على يد تلاميذه من بعده. 

يقوم التحليل النفسي على مفاهيم ومسلمات أساسية أهمها أن للإنسان عقلا واعيا مدركا يتبع المنطق في اتخاذ قراراته، وعقلا غير واعٍ يشكل جزءا كبيرا من حياة الإنسان النفسية، ويوجه الكثير من سلوكيات الإنسان ومواقفه دون أن يشعر "الوعي" بذلك، في هذا "اللاوعي" تستقر عقد منذ الطفولة، أهمها: عقدة الخصاء (قلق المنع) وعقدة الهجر (قلق الانفصال)، وحسب التحليل النفسي فإن أي موقف أو حالة مهددة أو مقلقة يتعرض لها الإنسان تثير لديه هذه العقد؛ فيتولد عنها قلق شديد يسعى بطرق عديدة للتخلص منه، وهذه الطرق تسمى آليات دفاعية. 

الأطروحة الأساسية للكتاب يمكن إيجازها في أن استمرار التخلف لا ينتج فقط عن استمرار تواجد العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تسبب التخلف، وإنما ينتج أيضا عن الطبيعة النفسية المتخلفة للإنسان والتي تقوم بدورها بتعزيز البنى الاجتماعية والاقتصادية المتخلفة؛ وبالتالي إذا أردنا القضاء على التخلف في مجتمعنا لا يكفي تغيير العوامل الاجتماعية والاقتصادية، كما حاول ذلك بعض السياسيين والقادة والمنظرين، فقاموا باستيراد نظريات اقتصادية واجتماعية طورت في مجتمعات متقدمة وجاءوا ليطبقوها على مجتمعاتنا، وإنما يتم القضاء على التخلف بإضافة جهد آخر يتوجه إلى تغيير عميق في الطبيعة النفسية للإنسان المتخلف، وهكذا يتآزر الفعلان: تغيير الإنسان وتغيير ظروفه، ومن ثم يتم كسر الحلقة المعيبة المساهمة في استدامة التخلف. 

الخصائص النفسية للتخلف 

يستهل المؤلف كتابه بالحديث عن علاقة القهر التي تربط بين المتسلط والإنسان المقهور؛ فيقرر أنه بقدر ما تتضخم أنا السيد وينهار الرباط الإنساني بينه وبين المسود، وتتأكد في ذهن المستبد أسطورة تفوقه وخرافة غباء وعدم آدمية الإنسان المستضعف، يصبح الأول أسير ذاته، وينحدر الثاني إلى أدنى سلم الإنسانية. ثم ينتقل المؤلف إلى بيان المراحل التي تمر بها علاقة القهر، حيث يكون لكل مرحلة بنيتها النفسية الاجتماعية، وخصائصها المميزة التي تعكس بمجموعها جانبا من الوجود المتخلف. 

المرحلة الأولى: الرضوخ والقهر خلال هذه المرحلة، التي تدوم فترة طويلة نسبيا، يشكل زمن الرضوخ والاستكانة أو الفترة المظلمة من تاريخ المجتمع ، عصر الانحطاط، وتكون قوى التسلط الداخلي والخارجي في أوج سطوتها، وحالة الرضوخ في أشد درجاتها. و أبرز ملامح هذه المرحلة هو اجتياف (استدخال) عملية التبخيس التي غرسها المتسلط في نفسية الجماهير؛ فيكره الإنسان نفسه ويوجه عدوانيته تجاه نفسه وتجاه أمثاله، ومن ثم يقوم بإزاحة هذه العدوانية ليمارسها تجاه من هو أضعف منه، المرأة التي تمارس نفس الدور تجاه أبنائها. 
ومن الملامح الأخرى الإعجاب بالمتسلط، وتضخيم تقديره للمستبد؛ فيعطيه حقًا شبه إلهي في السيادة والتمتع بكل الامتيازات، وبالتالي تنشأ علاقة رضوخ "مازوخي" من خلال الاعتراف بحق المتسلط بفرض سيادته، وتنشأ في هذه المرحلة مجموعة من العقد التي تميز حياة الإنسان المقهور أهمها: عقدة النقص، وفقدان الثقة بنفسه وبأمثاله، والتي تجعله يحجم عن كل جديد، ويتجنب كل تجربة قد تساهم قي تغيير وضعه؛ لذلك هو لا يحرك ساكنًا، وإنما ينتظر ذلك البطل المخلّص الذي سينتشله مما هو فيه! وهذا ما يمهد الطريق للتعلق بالزعيم الفرد، تعلقًا يغري بالتسلط والدكتاتورية، إن هذه الأفكار تجعل عملية التحديث تجابه بمقاومة شديدة تحبط البرنامج التنموي. أما عقدة العار، فهي تجعل الإنسان يخجل من ذاته، ويعيش وضعه كعار وجودي يصعب تحمله، فيتمسك بالمظاهر لتشكل سترا لبؤسه الداخلي، ومن ثم يسقط العار على المرأة فتصبح هي رمز الشرف والكرامة التي يبرر من أجلها القتل، ولا بد أن للمتسلط دورًا في تحويل انتباه الإنسان المقهور من حالة الذل والقهر التي يعيشها إلى أمور ثانوية، وبذلك يحمي المتسلط نفسه من ثورة المقهورين.
وأخيرا وليس آخرا، يعاني المقهور من اضطراب الديمومة؛ حيث إن طول المعاناة، وعمق القهر والتسلط الذي فرض عليه ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم في آلام الماضي، وتأزم في معاناة الحاضر وانسداد آفاق المستقبل، ويتفاعل هذا مع عقدة النقص وعقدة العار، مما يغرق الإنسان في ضعفه وعجزه واستسلامه إزاء قوى تتحكم في مصيره، ويحس أنه لا قبل له بمجابهتها. 

المرحلة الثانية: الاضطهاد وفيها يبدأ الإنسان بتحويل حالة الغليان العدوانية التي كانت موجهة ضد نفسه إلى الآخرين، بعد عدم تمكنه من كبتها بالآليات التي استخدمها في المرحلة الأولى. إنه يحول عدوانيته إلى الذين يشبهونه، إن لب هذه العملية هو التفتيش عن مخطئ يحمل وزر العدوانية المتراكمة داخليًا، وبذلك يتخلص من شعوره بالذنب ومن عاره وعقد نقصه ويصبها على الآخر، متهما إياه - وبشكل توهمي- أنه يحسده ويريد أن يؤذيه، وهكذا يصبح العدوان عليه مبررًا فهو دفاع عن النفس ليس إلا. إن هذا التفريغ والتحويل للمشاعر السيئة الداخلية تجاه الآخر المقهور مثله ينفع مؤقتا في تخفيف التوتر الداخلي للإنسان المقهور، لكن كل ذلك يفشل في تخليصه وإراحته على المدى البعيد، مما يجعله ينتقل إلى المرحلة الثالثة. 

المرحلة الثالثة: التمرد والمجابهة عندئذ يصبح العنف المسلح هو السبيل الوحيد ليتخلص الشعب من عقد النقص والجبن والخوف التي غرسها المستعمر والمستبد في عروقه، وهو يحقق بذلك ذاته وينقي نفسه من الكسل والجهل والاتكالية، ولكن -للأسف- كثيرا ما يتحول هذا العنف إلى رد فعل غاضب يعيق إمكانية التفكير والتنظيم طويل الأمد، وهكذا يصبح العنف آلية من آليات الدفاع النفسية التعويضية، فيقع الإنسان المقهور سابقا في نفس أخطاء قاهره المستبد ، ويصبح ممجدا للقوة يستبدل بعقد نقصه السابقة تضخمًا في الذات واستعلاءً على الآخرين، ويصبح هو نفسه مستبدا ومتسلطا على غيره. 
سمات العقلية المتخلفة 
يستعرض المؤلف خصائص الذهنية المتخلفة، وأسبابها الممكنة، ويحرص على توضيح أن ما يطرحه لا يعدو كونه محاولة أولية لا تدعي الشمول في عرضها للواقع، وغاية ما يرجوه هو أن يكون ما يطرحه منطلقا لأبحاث ميدانية أكثر تحديدًا. وهو يقوم بتقسيم الخصائص الذهنية للتخلف على النحو التالي: 

1- الخصائص الذهنية المنهجية: وتتميز باضطراب منهجية التفكير من جهة، وقصور الفكر الجدلي من جهة أخرى، ويتجلى اضطراب منهجية التفكير بما يعانيه الذهن المتخلف من قصور الفكر النقدي؛ فهناك عجز عن الجمع في سياق واحد بين الأوجه الموجبة والأوجه السالبة، بين المميزات والعيوب لمسألة ما، إنه يعجز عن الذهاب بعيدا في تحليله للأمور لأنه لا يدرك أن لكل ظاهرة مستويات من العمق، وهو يكتفي بالمستويات السطحية التي تشكل عادة قناعًا يخفي الحقيقة، وهو من ثم يقوم بإطلاق الأحكام القطعية والنهائية بشكل مضلل، وهو إضافة لذلك.. يتميز بانعدام المثابرة فهو ينطلق بحماس كبير، ولكنه يفقد حماسه بالسرعة نفسها، ويتميز الفكر المتخلف أيضا بانعدام الدقة والضبط، وكل شيء يظل على مستوى التقدير الإجمالي والانطباع العام، كل ما سبق يؤدي إلى العجز عن التخطيط للمستقبل، الذي نرى أفقه ضيقًا عند الإنسان المتخلف، أما ضعف الفكرالجدلي فهو لب الذهنية المتخلفة؛ فهي جامدة قطعية وحيدة الجانب، تخفق في إدراك الترابط والتفاعل الشبكي بين الظواهر وما ينتج عنه من حركية وتغير. 

2- الخصائص الذهنية الانفعالية: إن طغيان الانفعالات وما يرافقها من نكوص على مستوى العقلانية ظاهرة مألوفة في الأزمات، ولكنها عند الإنسان المتخلف تكاد تكون الأسلوب الأساسي في الوجود، إنه يعيش في حالة من التوتر الانفعالي الذي ينبث في حنايا شخصيته معطلا القدرة على الحكم الموضوعي والنظرة العقلانية للأمور، إن العجز عن التصدي العقلاني الموضوعي للمشكلات والأزمات الحياتية يدفع بالمرء إلى النكوص إلى المستوى الخرافي، إلى الحلول السحرية و الغيبية، وكلما زاد القهر والعجز تفشت الخرافة، ولهذا فليس من المستغرب أن نجدها تعيش في عالم المرأة لأنها -أكثر من غيرها- قد حرمت أهم إمكانات المجابهة العقلانية الموضوعية للواقع، وهي بدورها تعمل على نشر الخرافات، وترسيخ التفكير الغيبي من خلال غرسهما في ذهنية الطفل، إلى أن يكبر مع بقاء الخرافة متأصلة في أعماقه، جاهزة للبروز أمام الصعاب.
سمات العقلية المتخلفة 

يستعرض المؤلف خصائص الذهنية المتخلفة، وأسبابها الممكنة، ويحرص على توضيح أن ما يطرحه لا يعدو كونه محاولة أولية لا تدعي الشمول في عرضها للواقع، وغاية ما يرجوه هو أن يكون ما يطرحه منطلقا لأبحاث ميدانية أكثر تحديدًا. وهو يقوم بتقسيم الخصائص الذهنية للتخلف على النحو التالي:

1- الخصائص الذهنية المنهجية: وتتميز باضطراب منهجية التفكير من جهة، وقصور الفكر الجدلي من جهة أخرى، ويتجلى اضطراب منهجية التفكير بما يعانيه الذهن المتخلف من قصور الفكر النقدي؛ فهناك عجز عن الجمع في سياق واحد بين الأوجه الموجبة والأوجه السالبة، بين المميزات والعيوب لمسألة ما، إنه يعجز عن الذهاب بعيدا في تحليله للأمور لأنه لا يدرك أن لكل ظاهرة مستويات من العمق، وهو يكتفي بالمستويات السطحية التي تشكل عادة قناعًا يخفي الحقيقة، وهو من ثم يقوم بإطلاق الأحكام القطعية والنهائية بشكل مضلل، وهو إضافة لذلك.. يتميز بانعدام المثابرة فهو ينطلق بحماس كبير، ولكنه يفقد حماسه بالسرعة نفسها، ويتميز الفكر المتخلف أيضا بانعدام الدقة والضبط، وكل شيء يظل على مستوى التقدير الإجمالي والانطباع العام، كل ما سبق يؤدي إلى العجز عن التخطيط للمستقبل، الذي نرى أفقه ضيقًا عند الإنسان المتخلف، أما ضعف الفكرالجدلي فهو لب الذهنية المتخلفة؛ فهي جامدة قطعية وحيدة الجانب، تخفق في إدراك الترابط والتفاعل الشبكي بين الظواهر وما ينتج عنه من حركية وتغير.

2- الخصائص الذهنية الانفعالية: إن طغيان الانفعالات وما يرافقها من نكوص على مستوى العقلانية ظاهرة مألوفة في الأزمات، ولكنها عند الإنسان المتخلف تكاد تكون الأسلوب الأساسي في الوجود، إنه يعيش في حالة من التوتر الانفعالي الذي ينبث في حنايا شخصيته معطلا القدرة على الحكم الموضوعي والنظرة العقلانية للأمور، إن العجز عن التصدي العقلاني الموضوعي للمشكلات والأزمات الحياتية يدفع بالمرء إلى النكوص إلى المستوى الخرافي، إلى الحلول السحرية و الغيبية، وكلما زاد القهر والعجز تفشت الخرافة، ولهذا فليس من المستغرب أن نجدها تعيش في عالم المرأة لأنها -أكثر من غيرها- قد حرمت أهم إمكانات المجابهة العقلانية الموضوعية للواقع، وهي بدورها تعمل على نشر الخرافات، وترسيخ التفكير الغيبي من خلال غرسهما في ذهنية الطفل، إلى أن يكبر مع بقاء الخرافة متأصلة في أعماقه، جاهزة للبروز أمام الصعاب.

عوامل تخلف العقلية 

لب تخلف العقلية يكمن -حسب المؤلف- في أسباب اجتماعية سياسية، هي المسئولة عن نمط الإنتاج وأدواته وانعكاساته على الذهنية، وتختصر في اتجاهين أساسيين:
الأول: سياسة التعليم وتخلف الذهنية؛ حيث يعاني المتعلم في العالم المتخلف من استمرار الذهنية اللاعلمية لتضافر عدة أسباب: شدة غرس التفكير والمعاش الخرافي في ذهنه منذ الطفولة، سطحية التعليم وعدم مكاملته في الشخصية لبعده عن تناول القضايا الحياتية والاجتماعية، الانفصام بين العلم النظري والتجربة المعاشة، الخوف من التصدي للتيارات السائدة من قبيل الخوف من الاتهام بالإلحاد، حفاظا على لقمة العيش في مجتمع قامع، لا يضمن حرية الفكر، ولا يؤمن للإنسان غده، وهكذا تسد السبل على أكثر من صعيد أمام تجاوز تخلف الذهنية والارتقاء بها إلى المنهجية العلمية المضبوطة.

والثاني: علاقات التسلط والقهر وتخلف الذهنية؛ حيث يعاني الإنسان من قهر وتسلط يمتد معه منذ الطفولة، حيث القهر الذي يمارسه الأبوان في الأسرة، ومن ثم تتابع المدرسة القهر من خلال عملية "تدجين وخصاء فكري"، إلى أن تسلمه إلى المجتمع وما فيه من قهر أثناء التدريب المهني وفي العمل وفي كل مكان، وهكذا يحدث لديه شلل في الفكر النقدي، وتقلص في مدى حركته ومرونته نتيجة فرض الطاعة دون منحه حق النقاش والفهم.

حياة الإنسان اللاواعية 

بعد فراغه من الحديث عن خصائص العقلية المتخلفة ينتقل المؤلف إلى الحديث عن حياة الإنسان اللاواعية التي تشكل الوجه الخفي من التجربة الوجودية للإنسان، وهي تكتسب كل وزنها وتأثيرها من خاصيتها الأساسية، وهي الإفلات التام من سيطرة الوعي والإرادة من ناحية، ومن شدة ومدى الضغط الذي تمارسه المكبوتات على جميع أوجه النشاط الحياتي من ناحية ثانية، يتغلغل اللاوعي في كل حركة وسكنة وتوجه ونظرة وقيمة تحيط بحياتنا أو تُعطى لها، ويعاني الإنسان المقهور في جانبه اللاواعي من مقابلات لحياته التي يعيشها؛ فعلاقة التسلط والقهر تقابل بنيويا علاقة السادومازوخية، وتقابل دينامكيا قلق الخصاء (المنع)؛ حيث يخشى الطفل من والده الذي يفرض عليه الخصاء (المنع) وهذا يدفع الطفل إلى النمو ليصبح مثل أبيه في قوته، ولكن إذا كان حب الوالد شديدا، وكانت العدوانية تجاهه بسبب الخوف من الخصاء شديدة أيضا، عجز الطفل عن المرور بعملية التماهي مع الأب، واستقر في حالة الخصاء التي تزعزع كيان الإنسان المقهور، وتخل بتوازنه فيتجه بعدوانيته إلى ذاته، ويقوم بتبخيسها وتحطيمها، وعندما لا يجدي ذلك في التخلص من القلق يلجأ إلى وسائل تعويضية، كالاحتماء بالزعيم المنقذ أو التعلق بالأبطال أو اللجوء إلى الأولياء.

أما اعتباط الطبيعة فيأخذ صورة الأم السيئة، ويفجّر عند الطفل -الإنسان المقهور- قلق الانفصال (الهجر)، وتثار أشد حالات انعدام الشعور بالأمن، وكتعويض عن ذلك، يقوم الإنسان بمحاولة اندماج مع الأم تأخذ شكل الذوبان في الأسرة والعشيرة، وهكذا فمأساة الإنسان المقهور لا تقتصر على بعدها الاجتماعي الاقتصادي السياسي فقط، بل إنها تفجر مأساة ثانية أكثر بدائية، هي القلق الطفلي اللاواعي: انعدام مشاعر القدرة والإحساس بالأمن، قلق الخصاء أو الهجر، كل من المأساتين تعزز الأخرى مما يؤدي إلى تضخم معاناته، ويتفاقم هذا التضخم نظرا لإفلات الأمر من سيطرته في الحالتين، ليس المصير المادي هو الذي يفلت منه وحسب، ولكن أيضا تفجير القلق النابع من اللاوعي خصوصا، باعتبار أن الخاصية الأساسية لما هو "لاواع" هي "الإفلات من سيطرة الوعي والإرادة"، كل ما سبق يخلق اختلالا في التوازن الوجودي عند الإنسان المقهور، يجعل حياته صعبة الاحتمال، ويدفع به إلى توسل العديد من وسائل الحماية التي تذهب في كل اتجاه، هذه الوسائل تشكل القسم الثاني من الكتاب. 

الأساليب الدفاعية للإنسان المقهور

يلجأ الإنسان المقهور إلى مجابهة القهر الواقع عليه متخذا العديد من الأساليب الدفاعية وأهمها:

أ - الانكفاء على الذات: الحركة الأولى التي يحاول الإنسان المقهور من خلالها تجنب ما تفرضه الطبيعة من بلاء اعتباطي، وما يفرضه المتسلط من قهر متعنت، تأخذ شكل انكفاء على الذات، فينسحب ويتقوقع بدلا من مجابهته للتحديات الراهنة والمستقبلية، ويحد الإنسان من طموحاته وذلك بأن يتقبل مصيره، أو يحاول إيهام نفسه بتقبل هذا المصير؛ ومن ثم فهو يقوم بعدة أمور في سبيل إدخال شيء من التوازن إلى وجوده، وإبعاد شبح القلق الذي يلفه ومن هذه الأمور: التمسك بالتقاليد والماضي المجيد، والذوبان في الجماعة، والبحث عن ملاذ أو زعيم منقذ ليتكل عليه. 
ويشكل التمسك بالتقاليد أولية دفاعية ضد قلق مجابهة المسئولية الذاتية، فهي -أي التقاليد- بما يسبغ عليها من صفات القانون الملزم، تتضمن تبريرا للعجز الذاتي عند الإنسان المقهور الذي يتخذ من قدرته على مراعاة المعايير السائدة مصدرا للكبرياء والرضا عن الذات، وأحيانا يصل به الأمر إلى التزمت في تمسكه بالتقاليد، وهو بذلك يقف ضد تغيير علاقة القهر وتطوير بنى المجتمع، وهكذا يتحول إلى أداة تخدم مصلحة المتسلط. 
أما التمسك بالماضي.. فهو طريقة يبعد فيها الإنسان عن نفسه تهديد انعدام القيمة بالاحتماء بالقيمة التي كان يتمتع بها ماضيا، وفي هذا النكوص تحدث عملية تزيين للماضي من خلال طمس عثراته من جانب، والمبالغة في تضخيم حسناته من جانب آخر، ويشكل الاحتفاء بأبطال القصص الشعبية إسقاطا لأمل الإنسان ورغبته في امتلاك القدرة على مجابهة قدره، ويقوم المتسلط بتشجيع حلقات رواية القصص الشعبية لما تساعد عليه من تصريف للتوتر الوجودي، وتصريف للعدوانية -التي تهدد بالانفجار ضده- من خلال الغرق في عالم خرافي يحمل إرضاءات وهمية للإنسان المقهور. 
أما الذوبان في الجماعة.. فيشيع في المجتمعات المتخلفة والمقهورة، وترتفع درجة الذوبان في الجماعة عادة على المستوى الفردي بما يتناسب مع مستوى الإحساس بالضعف والعجز وانعدام القيمة، فأكثر الأفراد ذوبانا في الجماعة وتعصبا لها هم، في معظم الأحوال، أشدهم عجزا عن الاستقلال والوصول إلى مكانة فردية، و إلى قيمة ذاتية تنبع من شخصيتهم. وتنشأ نتيجة الذوبان جماعات مغلقة على نفسها تقوم بينها وبين الجماعات المجاورة علاقات صراع وعداء وحذر واضطهاد، وتزداد هذه العلاقات العدائية بقدر تعرض هذه الجماعات لقوى متسلطة لا قبل لأي منها بمقاومتها. 
على حين تأخذ الوضعية الاتكالية شكل المراهنة في خلاصه على الزعيم المنقذ؛ الذي يسبغ عليه كل صفات القوة والرحمة والكمال التي هي نقيض نظرته عن نفسه، إنه يتكل عليه بشكل كلي دون أن يعطي لنفسه دورا في السعي لهذا الخلاص سوى دور التابع المعجب المؤيد دون تحفظ والمنتظر للمعجزة، وتأتي المعجزة المنتظرة على يد قائد انقلاب عسكري يتحول فيما بعد إلى دكتاتور لتعود حالة القهر والتسلط كما بدأت أول مرة.

ب - التماهي بالمتسلط: يشكل التماهي بالمتسلط أحد المظاهر البارزة في سعي الإنسان المقهور لحل مأزقه الوجودي، وتخفيف انعدام الشعور بالأمن أو التبخيس الذاتي الذي يلحق به من جراء وضعية الرضوخ، إنه كحل عبارة عن هروب من الذات وتنكر لها، وهروب من الجماعة وتنكر للانتماء لها وتأخذ هذه الظاهرة ثلاثة أشكال: 

الأول : التماهي بأحكام المتسلط، حيث يقوم الإنسان المقهور باجتياف (استدخال) عدوانية المتسلط، وتوجيهها إلى الذات على شكل مشاعر ذنب ودونية وتبخيس للقيمة الذاتية، ويوجهها أيضا تجاه جماعته حيث ينخرط في حرب شعواء على الجماعة مكدسا الأدلة من ظواهر الحياة اليومية على ضعفها وعجزها وسوئها، إنها الجماعة المستكينة التي لا يرجى منها خير، والتي ستظل أبدا غارقة في المهانة والجهل والانحطاط، وبذلك يكون قد ابتدأ تدريجيا في السير على طريق التماهي بعدوان المتسلط، وتهيأ للعب دوره تجاه الأشخاص الأضعف حين تسنح الفرصة، وعندها ينتقل إلى : 
الثاني: التماهي بعدوان المتسلط، والذي يتظاهر بالاستعلاء على الضعفاء واستعراض القوة، وفي الحالات الشديدة يقوم بممارسة أشد أنواع البطش والعنف والتعذيب ضد الضعفاء، وهكذا يصبح رجل الأمن والشرطة والذي يحس بضعفه الذاتي وقلة قيمته أشد قسوة من سيده المتسلط والمستبد، إن هذا الشخص يقوم بمحاربة مشاعره الدونية بصب جام غضبه على الفقراء المستضعفين-حيث كان سابقا واحدا منهم- والذين يذكرونه بضعفه. 

الثالث: في آخر أشكال التماهي بالمتسلط يصل الاستعلاء أخطر درجاته، لأنه يتم بدون عنف ظاهر، بل من خلال رغبة الإنسان المقهور في الذوبان في عالم المتسلط، بالتقرب من أسلوبه الحياتي، وتبنى قيمه ومثله العليا، وهكذا يصبح الخلاص بالنسبة إليه هو التحول من وضعية الراضخ إلى وضعية المتسلط، حتى لو كان ذلك من خلال المظاهر الخادعة، التي ربما لا تخدع سواه، أما الخلاص الجماعي من خلال تغيير البنية وقلب موازين العلاقات ضمنها، فهو لا يقتنع به مطلقا في قراره نفسه وإن صرح به وادعاه بلسانه.

ج - السيطرة الخرافية على الواقع: الإنسان المقهور، ونتيجة عيشه في ظروف من التسلط والاستعباد، يجد نفسه لا حول له ولا قوة، ولا قدرة له على التأثير في ما حوله من أحداث. هذا العجز والشلل عن الفعل يخلق توترا لديه مما يدفعه إلى انتهاج وسائل متعددة لكي يعيد لنفسه بعض التوازن المفقود.. من ذلك أنه -ولكي يسيطر على حاضره المليء بالمشاكل والأزمات- يقوم باللجوء إلى الأولياء ومقاماتهم معتقدا أن لديهم القدرة على التحكم بأحداث حياته، فيطلب العون منهم، ومن ذلك أيضا إلقاء تبعات ما يحدث له وعزوها إلى قوى خارجة عن إطار قدرته على التحكم.. كالجن والشياطين والذين يصبحون مشجبا لتعليق كل الأحداث السيئة عليه، ولإسقاط كل المساوئ الذاتية وأوجه القصور الشخصية. وأخيرا يقوم الإنسان المقهور بتفسير الأحداث السيئة في حياته على أنها نتيجة الحسد والسحر مسقطا بذلك ما يجول في لاوعيه من أفكار عدوانية ونزوات وتوترات على الآخرين، الذين "يحسدونه" ويتعاونون مع السحرة ليؤذوه. وهو لا يقتصر على ذلك فقط، وإنما يلجأ أيضا لاستخدام السحر نفسه ليرد أذى الأشرار، ولينزل الأذى بالآخرين. 
أما قلق المستقبل الذي يؤرق الإنسان المقهور فإنه يدفعه إلى محاولة استشفافه ومعرفته لكي يعمل على الاستعداد له، وهو يستخدم في ذلك وسائل خرافية، طالما أن الضمانات مفقودة والتخطيط منعدم، إن التوقعات المبينة على الجهد العام والذاتي لا أثر لها في العالم المتخلف، وهكذا نجد انتشار التطير بنوعيه الإيجابي والسلبي (البشائر والنذائز) بحيث يجعل الإنسان المقهور من الأحداث الخارجية علامات يضفي عليها معنى و مغزى، ومن الوسائل الخرافية أيضا تأويل الأحلام باعتبارها دلالة تنبئ عما يخبئه المستقبل، وليس بعيدا عما سبق قيام الإنسان المقهور بالبحث عمن يقرأ له طالعه وبخته من المنجمين والمشعوذين الذين يخلطون بين العلم والروحانيات والشعوذة، ويلعبون على الإيمان الديني لطالب الحاجة لإقناعه بصحة ما يزورونه من تنبؤات مستقبلية. 
كل ما سبق يجعل الإنسان أسيرا لقدرية مكبلة، تقوم بتنظيم الاعتباط الذي يحيط بوجود الإنسان: اعتباط الطبيعة واعتباط المتسلط، ويقبل المرء الاعتباط كأمر واقع، كمظهر من مظاهر قانون الكون والأشياء، وإذا استفحل الأمر يسير الإنسان خطوات أبعد من ذلك حين تتحول القدرية إلى نوع من الواجب: ضرورة قبول الأرزاء كامتحان للإيمان، وبالتالي لا يجوز التمرد عليها أو رفضها، كل ما يسمح للإنسان هو الدعاء بأن يلطف القضاء "اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه"، تلك هي وسائل السيطرة على المصير حين يتفاقم القهر ويستفحل عجز الإنسان وتنعدم قدرته على التأثير في الأحداث، إنها دفاعات تساعد المرء على تحمل مصيره بالحد الأدنى من الصراع النفسي، ولكنها تشكل بالطبع عقبة جدية في وجه النهوض لتغيير المصير كحل وحيد وفعال في نهاية الأمر، إنها تدفع بالمرء إلى الاستسلام والاستكانة للأمر الواقع، وبالتالي تعزز هذا الواقع وتحافظ على استمراريته، ومن هنا كان تشجيع الحكام والمستفيدين منه على انتشار القدرية فليس أفضل منها للحفاظ على امتيازاتهم.

د - العنف: ويختتم المؤلف حديثه عن الأساليب الدفاعية للإنسان المقهور بسرد بعض مظاهر العنف، والتي يقسمها إلى مظاهر العنف المقنع كالعدوانية المرتدة إلى الذات على شكل إدانة الإنسان لنفسه، وذلك كي يجمد الأمور ويعدم الإحساس بها، وبالتالي يخفف من قلقه وتوتر الداخلي، كما يأخذ العنف المقنع شكل عدوان موجه إلى الخارج على شكل كسل، وتخريب للممتلكات العامة، وإطلاق النكات والتشنيعات على اختلافها، كما يدخل في ذلك مختلف تصرفات الخداع والتضليل والاحتيال في التعامل مع المتسلط، وبعد العنف المقنع يأتي العنف الرمزي على شكل سلوك جانح يهدف إلى خرق القوانين، وذلك يدل على ما يعتمل باطنيا في بنية المجتمع من اضطراب، وما يتراكم من عدوانية كامنة قابلة للانفجار في ظروف معينة، إن تراكم العدوانية المزمن يقود إلى توتر وجودي وعلاقات اضطهادية يعيشها الإنسان المقهور، يتجلى ذلك بانفجار العدوانية اللفظية التي تنفجر في سيل من الشتائم والسباب، ونرى الاستخدام العنيف للسلاح أو العضلات في فورة غضب، وذلك لوجود إحساس دفين بانعدام فعالية اللغة اللفظية وأسلوب الإقناع، مما يحول الأمر بسرعة إلى الحسم السحري، العضلي أو الناري، من خلال الإخضاع. ومن مظاهر التوتر الوجودي والعلاقات الاضطهادية في العالم المتخلف توجيه العدوانية إلى جماعات خارجية من خلال التعصب العرقي أو الطائفي، وما يرافقه من ميول فاشية، إنه ينظر إلى الآخر ليس على أنه شرير وحسب، بل هو رمز الشر والسوء، ولذلك من المقبول بل من الواجب إراحة البشرية منه، فيصبح العدوان عليه مشروعا بل مطلوبا. 
وبعد ذلك يتحدث الكاتب عن نظريات تفسير العنف ويذكر فيها وجهة نظر علم نفس الحيوان ووجهة نظر التحليل النفسي، ووجهة نظر ظواهرية، وبعدها يحاول أن يستعين بهذه النظريات في تفسير وفهم العنف في المجتمع المختلف.


وضعية المرأة في المجتمعات المقهورة 

يخصص المؤلف الجزء الأخير من كتابه ليتحدث عن وضعية المرأة في المجتمع المتخلف؛ حيث يعتبر المرأة العنصر الأشد تلقيا للظلم والقهر في المجتمع، وهي أوضح مثال للإنسان المقهور؛ فالعلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع المتخلف تلعب دورا هاما من الناحية الدفاعية، حيث يتهرب الرجل من مأزقه بتحميل المرأة كل مظاهر النقص والمهانة التي يشكو منها في علاقته بالمتسلط وقهره والطبيعة واعتباطها، ولذلك يفرض على المرأة أكثر الوضعيات عبئا في المجتمع المتخلف؛ إنها محط كل إسقاطات الرجل السلبية والإيجابية على حد سواء، وهي تُدفع نتيجة لذلك إلى أقصى حالات التخلف، ولكنها من هوة تخلفها وقهرها ترسخ تخلف البنية الاجتماعية من خلال ما تغرسه في نفوس أطفالها من خرافة وانفعالية ورضوخ. 
ويختم المؤلف كتابه بقوله إنه لم يستعرض في هذا البحث "سوى بعض الملامح البارزة لبنية التخلف الاجتماعي، وما تولده من سيكولوجيا خاصة عند الإنسان المقهور، كما أننا لم نتناول بالبحث سوى بعض الأساليب الدفاعية الأكثر بروزا التي يجابه الإنسان المتخلف من خلالها مأزقه الوجودي، هناك بلا شك جوانب هامة كثيرة على كل صعيد لابد للأبحاث الميدانية أن تكشف عنها، ولكن ما نستطيع تأكيده منذ الآن هو أن الخصائص النفسية التي تميز شخصية الإنسان المتخلف وأوالياته الدفاعية تشكل في الكثير من الحالات عقبات جدية في وجه التغيير الاجتماعي، وتكون موانع هامة لمشاريع التنمية، وهنا يكمن خطرها تحديدا وتبرز أهمية اكتشافها والوعي بها ومعرفة كيفية تحريكها لحياته وتحكمها بها، ذلك هو أيضا المبرر الأساسي لبذل جهد كبير للأبحاث في هذا الميدان، إذا أردنا لمشاريع التغيير والتطوير في مجتمعنا العربي أن تنطلق من أسس صلبة تحيط بالواقع وتتحكم بالقوى التي تحركه، بذلك وحده يمكن للآمال التي نضعها فيما نرسم من مخططات تنموية أن تؤتي بعض أكلها.