انثربولوجيا البغاء في العالم العربي


الحياة الثقافية

نرَى أنَّ البغاء الأنثوي في المجتمع التونسي ما قبل الاستعماري، يشكل قسما من التاريخ المكبوت في النسيان الجمعي. وهو نسيان تنظمه بمهارةٍ وتضطلع به مجموع العناصر النشيطة التي تؤثر في تكوين الذاكرة الجماعية.

تتألق المصار المكتوبة بصمتها شبه المطلق حول أقدم مهنة في العالم. فهي لا تحجم عن الحديث نكيفية شبه مطلقة تقريبا، ولكنها تذكر جميع أنواع الاستدلال الأرتذكسي النقائي للإسلام السني لتبرير الصمت، وبالتالي للدعوة إلى نسيان تلك الممارسات السافلة التي تصدر عن نساء عاهرات أو «نساء المتعة»[1].


والحالة هذه، يظل التقليد الشفهي ملاذا أخيرا للمؤرخ الذي يبحث عن الماضي المفقود. بيد أن هذا التقليد لا يمدنا سوى بعناصر مُربكة يبقى من الضروري إعادة تركيبها. وبذلك يظل البغاء ظاهرة غير معروفة بشكل جيد، وبالتالي قلما يطالها البحث.


وهذا الفراغ لا يعود فقط إلى الموضوع نفسه الذي يُنظر إليه باعتباره محرما (شأنه شأن الموضوع الأعم المتعلق بالحياة الجنسية والممارسات الجنسية في المجتمع الإسلامي)، بل يرجع كذلك - وندرة الوثائق المكتوبة تساعد في هذا - إلى أن الاقتناع لازال هشا بخصوص الأهمية التي يمكن أن تكتسيها دراسة ظاهرة هامشية من أجل فهم أفضل للفضاء الاجتماعي المركزي. لا يمكن استيعاب ما هو بنيوي ومركزي إلا عبر قطاعات تسمَّى «مفاتيح» المجتمع. وبذلك يُجرى تصنيف اعتباطي وذاتي يعيد إنتاج - في مجال البحث - رؤية آلية للمركزية والهامشية، ولعلاقتهما في الحقل الاجتماعي - التاريخي. وحدها المؤسسات والقطاعات «الشريفة»، مثل العمل والملكية والعائلة والزواج المؤسسي، وقيم أخرى قائمة هي القادرة على الكشف لنا عن أسرار بنية التكوين المعنية.


وبذلك يُنسى أن ثمة رؤية أكثر تاريخية تقبل وتدمج جدلا خصبا بين الهامشية والمركزية، جدلا ملازما للتاريخ الواقعي الذي ينتج فيه كل مجتمع هامشيته النوعية، والتي غالبا ما توضح بطريقة مفارقة المميزات المسماة مركزية للمجتمع المعطى.


على هذا النحو استطاعت الأنثروبولوجياالتاريخية أن تعيد تكوين الجدول العام لمختلف المجتمعات، الذي كان العلم التاريخي يتحفظ عليه من قبل، بالغرف من الأفكار الدقيقة ورمزيات الممارسات والطقوس الثقافية اليومية.


المنزلة
حياة المنزل
المنزلة
لقد أعيد الاعتبار للشأن اليومي، فصارت دراسة الحياة اليومية حديثا أحد أكثر المواضيع جاذبية للمؤرخ، وذلك ليس فقط لأن ما هو يومي غالبا ما يُتصوَّر باعتباره أفضل مدخل لما هو بنيوي ولعمق الدينامية الاجتماعية، بل وكذلك لأنه يعيد خلق توازني الإنسان باعتباره فردية وباعتباره كائنا نوعيا: توازن الفرد والجماعة؛ وفي النهاية لأنه يعيد بناء الواقع التاريخي في كل تنوعه وثرائه.


ثمة جانب آخر لا يقل أهمية، ويرتبط بالظواهر الهامشية باعتبارها حقلا مُفضلا لمتابعة سيرورة تشكل البنيات الذهنية والسلوكات الاجتماعية لمختلف الجماعات. معناه، أنه في قطاع محدَّد من الحياة، تربط الهامشية الصلةَ بين جميع أعضاء الجسد الاجتماعي، كلّ يضع فيه شيئا مما له تبعا للوظيفة الموكلة إليه، لكن مع اختلاف أن الجميع لا يتماهى في هذا الجسد الاجتماعي نفسه بكيفية واحدة. يضطلع هؤلاء بذلك شعوريا أو لا شعوريا حسب موقعهم ووضعهم الاعتباري في ما يسمى بفضاءات المجتمع المركزية، بينما يربط أولئك علاقات ظرفية وعابرة بالهامشية، مع نبذها في الخطاب أو الوعي.


تعتبر الهامشية أيضا حقلا خصبا للمساهمة في كتابة تاريخ من لا تاريخ لهم، والذين في هامشيتهم كانوا في مركزَ القضايا الإنسانية الأكثر شائكة.


من خلال دراسة الدعارة الأنثوية في وسط حضاري ما قبل استعماري، تمكننا من طرح سلسلة من الأسئلة والفرضيات التي تمس مختلف الجوانب المذكورة جزئيا أعلاه، وتندرج في جوهرها ضمن إشكالية العلاقة بين الظواهر الاجتماعية الهامشية والفضاءات المركزية للمدينة.


فمن جهة، كشفت لنا دراسة البغاء في ذاتها عن قطاع من المجتمع، بإيقاعاته النوعية، وعاداته، تقنيناته التي تربطها صلة قربى بالمهن والقطاعات الأقل هامشية في الحياة الاجتماعية.
ومن جهة أخرى، إن هامشية ظاهرة البغاء تتلاشى بقدر ما نحفر من أجل البحث وإزاحة الستار عن الروابط المتعدِّدة التي تنسجها الدعارة مع مجموع الجسد الاجتماعي. الدعارة والسلطة السياسية تتبادلان الكراهية بالتأكيد، لكنهما تتغذيان من بعضيهما وتلتقيان.


إذا كان البغاء يشكل التعبير الأشد انحطاطا عن الدنيوي، فإنه يتقاطع مع الصلاح بوصفه الرمز الأكثر وضوحا للمقدس. فالهامشية التي يقصيها الجسد الاجتماعي تجد نفسها مُستثمرة ثانية [من لدن المقدس] ولهذا السبب لا تعود هامشية. تصير في الواقع منتوج رؤية «ثنائية» بحدُود وحواجز دقيقة بين عالمين، ببيد أنَّ الواقع يقدم مشهدا اجتماعيا أكثر تعقيدا تكون تكون فيه العلامات والحدود الفاصلة متحركة ومبهمة في أغلب الأحيان.


مصادر تاريخ البغـاء: وثائق متشظية ومجحفة:
إن إعداد متن من مصادر تاريخ البغاء ليس بالمهمة السهلة، وذلك لأسباب عديدة. منها بالخصوص ندرة، بل وفي أغلب الأحيان الغياب شبه الكلي للوثائق المتعلقة مباشرة بالظاهرة. وبذلك نجد أنفسنا أمام وثائق متشظية يتعين إعادة تكوينها من خلال عناصر متناثرة ومتشذرة، إشارات غير مباشرة بل وحتى من مجرد تلميحات. ووضعية هذه الوثائق تجعل كل محاولة للتكميم المنهجي فيما يخص المرحلة الحديثة محاولة مستحلية.


ولذا تنحصر دراسة الظاهرة في حدود المقاربات الكيفية، باستثناء المرحلة التي تبدأ من النصف الثاني للقرن XIم بظهورت مؤسسات التحكم الاجتماعي كالشرطة البلدية.





تعود المصادر القديمة لتاريخ البغاء إلى العصر الحفصي. فالأدب الفقهي، ومصنفات الفتاوي بالخصوص تتضمن بطبيعتها إشارات ومعلومات عن الظاهرة مادامت هذه المؤلفات تذكر حالات وأوضاعا متعددة كالزنى، وحالات من الانحراف، وسائر أشكال المس بالتوازن الخلقي والقيم الاجتماعية.


ويمكن أن نذكر ثلاثة مصادر مهمة من هذا النوع: فتاوي الونشريسي[2]، فتاوي البرزولي[3]، وفي وقت متأخر فتاوي قاسم عزّوم[4].


إن الدراسة الدقيقة المتأنية لا تتيح متابعة وسائل العقاب فحسب، بل وكذلك إعادة تكوين الجداول الكشافة عن الأشكال النوعية للبغاء.


هناك نوع آخر من المصادر الكلاسيكية تشكله المصنفات التاريخية للقرنين 17 و18م. هنا أيضا، بحكم طبيعتها ونزعتها الأساسيتين، تقتصر هذه المؤلفات على إيراد معلومات متقطعة وعرضية؛ لكنها في سياق الحديث عن إنجازات هذا الأمير أو ذاك، تذكر كل ما يتعلق بالنظام والتحكم الاجتماعي داخل الحاضرة. وهكذا، بمواربة جملة واحدة، يُجشب البغاء باعتباره شرا يجب اجتنابه أو شرا لابد منه.


من الزركشي إلى ابن أبي ضياف، مرورا بابن أبي دينار، تذكَرُ «نساء المتعة» أو المجون في سياق ذكر صراع داخل المدينة بين السلطة وجزء من الجسد الاجتماعي، أو وصف هذه المؤسَّسة أو تلك التي تساهم في تنظيم المدينة.


على النقيض من التاريخ المحلي، يبدو أدب الرحالة الأوروبيين في تونس والمغرب العربي أكثر سخاء وإفصاحا. لانشغال هؤلاء الرحالة بوصف العادات والتقاليد المحلية وحذق فضولهم وافتتانهم بما هو غرائبي، فهم لا يضيعون عموما أي فرصة للحديث عن المرأة العربية عموما وعن العاهرة بشكل خاص.



[ثمة] أدب يجب تقصيه بحذر لأنه ما لك يكن متحيزا فهو لا يخلو على الأقل من مبالغات؛ لكنه بفضل تقاطعات ضرورية، يتيح الإحاطة أفضل بالأوساط والمشاهد ومساحة الدعارة في المدينة.


تمدنا بعض مصنفات الطب الموجَّهة لاستهلاك واسع بإشارات مفيدة في الفصول المتعلقة بالأمراض التناسلية أو طرق منع الحمل التقليدية[5].





ثمة فئة أخرى من الصادر غير المبشارة أيضا، لكنها أكثر موضوعية وقابلة لإفادتنا حول الدعارة. يتعلق الأمر بالوثائق المالية التي تعود إلى نهاية القرن VIIم. وهي تتألف أساسا من سجلات وإيرادات ومصاريف الدولة وسجلات الدواية والخطايا (الجزية والغرامات). ففي هذه السجلات نجد الجبايات أو اللزمات (الضرائب) المفروضة على «المنازل المغلقة»، مما يدل على تقنين ضريبي يخضع له قطاع البغاء بالصفة نفسها التي يخضع بها باقي قطاعات الأنشطة الخاضعة لقضايا الضرائب[6].


مع القرن XI، التغيير الظرفي وزمن الإصلاحات، تصير وثائقنا أكثر وضوحا ودقة. ففي سنة 1860، تمَّ إنشاء مؤسَّسة حضرية جديدة في زمرة الإصلاحات الإدارية والسياسية التي أجرتها الدولة على غرار المؤسسة البلدية التي أنشئت عام 1858، تمَّ خلق شرطة حضرية في تونس: مجلس الشرطة الحضرية المكلف، في إطار التحكم الاجتماعي، بضمان أمن المواطنين وقمع الجنح والمخالفات[7]. كان المجلس يتوفر على فرق دورية تقوم بجولات تفتيشية ليلية منتظمة طوال مرحلة حضر التجول بعد غروب الشمس: وهي السَّشمة التي تبدأ ساعة ونصف بعد غروب الشمس. كانت الدوريات تجرى في جميع أحياء المدينة تقريبا. غير أنَّ اهتماما خاصا كان يوجه للأحياء المحيطية بالضواحي حيث كانت تتجمَّع الأمكنة الأقل أمنا في المدينة، وفيها بخمارات يديرها مالطيون أو يهود، وكالاتهم (صحون منزلية تكرى غرفة للعائلة) وفنادقهم، أمكنة سكن مخفوظي الطبقة والعابرين القادمين من كل أنحاء الوصاية، وكذلك «الأحياء المخصصة» المنحشرة داخل الممرات المغلقة المحصنة وراء أسوار المدينة.


تحتوي أرشيفات هذا المجلس على تقارير يومية حرَّرتها عناصره ووقعها رئيسه لكي ترسَل إلى السطة الوصية. هذه التقارير تخبر عن جميع القضايا المعالجة والقرارات التي اتخذها المجلس، وفيها يمكن أن نعثر على معلومات غنية مكثفة ومرقمة حول البغاء الأنثوي في مدينة تونس أواسط القرن التاسع عشر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق