هل كانت لدينا حضارة اسلامية؟

حينما كنا في المدارس تم تلقيننا ان هناك حضارة عظيمة بناها الدين الاسلامي على الارض التي كان يحتلها ، تمخضت عن تقدم كبير للعلوم والمعارف والفنون في العصور الوسطى حين كانت اوربا غارقة في ظلام الجهل المقدس ، حتى سلمنا بهذه الفرضية دون جدال وبتنا نفاخر بها كلما انحدرنا في التخلف وزاد الاخرون تقدما . والكثير من المسلمين لايزال مستغرقا في هذا الحلم الجميل و يرفض حتى مناقشة الامر ، اما الشيوخ والدعاة فيتشدقون علانية بعظمة الحضارة التي خرجت من رحم الاسلام ويكفرون سرا صناع تلك الحضارة من علماء ومفكرين وفلاسفة وشعراء لكونهم ملاحدة وزنادقة . وفي ظل هذا اللغط والتناقض من حقنا ان نفكر بصوت عال لنتسائل هل كانت لدى المسلمين حضارة ومن الذي بنى تلك الحضارة وهل هي اسلامية حقا ؟
في البدء ، من الممكن تعريف الحضارة على أنها الفنون والتقاليد والميراث الثقافي والتاريخي ومقدار التقدم العلمي والتقني الذي تمتع به شعب معين في حقبة من التاريخ.. ترتكز الحضارة على البحث العلمي والفني التشكيلي بالدرجة الأولى ،فالجانب العلمي يتمثل في الابتكارات التكنولوجية وعلم الاجتماع أما الجانب الفني التشكيلي فهو يتمثل في الفنون المعمارية والمنحوتات وبعض الفنون التي تساهم في الرقي. فلو ركزنا بحثنا على أكبر الحضارات في العالم مثل الحضارة الرومانية سنجد أنها كانت تمتلك علماء وفنانون عظماء. فالفن والعلم هما عنصران متكاملان يقودان أي حضارة.(1)
النقطة التالية بعد تعريفنا للحضارة هي علاقة الحضارة بالدين ، وهنا اؤكد - كما فعل العديدون قبلي- بأنه لايمكن نسب اي حضارة الى دين فالاديان بطبيعتها هي رسالات دعوية لاتهتم بتحسين او تطوير الواقع المادي للانسان بل تركز على طقوس العبادات والحياة الروحية للفرد والتمسك بالنصوص المقدسة او اعداد الانسان لدار الاخرة كما تفعل الديانات الابراهيمية ، والمسلمون هم الوحيدون الذين ينسبون الحضارة للدين كما يؤكد ذلك الكاتب الكويتي الراحل احمد البغدادي (2 ) فهناك حضارات تاريخية معروفة ترتبط بمنطقة جغرافية معينة مثل حضارة وادي النيل ، حضارة مابين النهرين ، الحضارة الاغريقية والحضارة الصينية ولايمكن ربطها بدين محدد وهكذا ليست لدينا حضارة مسيحية او هندوسية او بوذية . الحضارة نتاج بشري خالص (3)، وليست نتاجا الهيا تقدمه لنا الكتب المقدسة ، والحضارة تنشأ عندما تتوفر شروطها الموضوعية والذاتية في البقعة الجغرافية المحددة ، فالاديان لاتصنع حضارات بل على العكس تسعى الى تدميرها اذا كانت موجودة وبالاخص اذا كانت لاتتسق او تتعارض مع مفاهيمها الدينية والتاريخ يشهد على ذلك .
لقد وجدت الحضارات قبل ان تظهر اليهوديه و المسيحية و الاسلام، فقوانين حمورابي كتبت قبل 1700 سنة من الميلاد و الفلسفه الاخلاقيه و القوانين العلمانيه الغير دينيه وضعها الاغريق والرومان قبل 2000 سنة من ظهور المسيحيه و الاسلام للوجود و انتهت في اوروبا ببداية العصر المسيحي المسمى القرون الوسطى .
ان ربط الحضارة بالدين يجعل منها حضارة مقدسة مما يعصم مفاهيمها ونصوصها من النقد والتحليل والمناقشة الموضوعية والتفاعل مع متغيرات عصرها من خلال عقلية التحريم والتكفير سواءا في المسيحية اوالاسلام التي تمنع ولاتزال القيام بذلك .
كذلك فأن المنظومة الدينية هي منظومة فكرية مغلقة واستاتيكية ذات مبادىء واسس ثابتة لاتتغير الابصورة هامشية لاتمس الجوهر وهي لاتقبل الفكر الوارد ولاتتفاعل معه وتعادي التجديد بصورة كلية ، بينما تبرز الحضارة كمنظومة ديناميكية مفتوحة تنساب منها واليها الافكار والمفاهيم وتتلاقح معا في صيرورة متجددة وابتكاردائب والحضارات تنهار حينما يفقد الناس قدرتهم على الابتكاركما يؤكد ارنولد توينبي.
لقد كانت الديانة المسيحية انذاك هي المسؤول الاول عن تحجر الفكر الاوربي وانتهاء عصر العقل ودخول اوربا في غيبوبة تاريخية من القرن الخامس الى اواخر القرن العاشر الميلاديين ، فقد أصدر الإمبراطورالروماني ثيودوسيوس الأول في العام 391 م أوامره باحراق مكتبة الإسكندرية لما اعتقده انها تحوي أفكار وفلسفات ومؤلفات وثنية تخالف العقيدة المسيحية التي تبناها كدين رسمي ووحيد في الإمبراطورية الرومانية، كما أصدرفي العام 393 ميلادية قرارا قضى بإلغاء الألعاب الأولمبية باعتبارها مهرجانات وثنية لا تليق بالإمبراطورية الرومانية التي قد نبذت الوثنية واعتنقت المسيحية.
وجرى بعد ذلك قتل عالمة الرياضيات والفلك الفيلسوفة هيباتيا السكندرية عام 415 م بصورة وحشية من قبل المتطرفين المسيحين بتهمة الكفر وحرق محتويات متحف الإسكندرية "السيزاريوم" وتحويله الى كنيسة.
وبحلول القرن الثالث عشر كان الكهنة المسيحيين قد أحرقوا كل المكتبات في جميع أنحاء أوروبا. وكلنا يعرف موقف الكنيسة من العالم الفلكي غاليلوعندما أكتشف كروية ألأرض ودورانها حول الشمس والذي يناقض التفسير الحرفي لنصوص الكتاب المقدس على أن الأرض مسطحة وهي مركز الكون, فكانت الكنيسة تحرّم كل العلوم والافكار والمبتكرات التي تخالف تفاسيرها للنصوص المقدسة, وكانت محاكم التفتيش ارهابا منظما ليس ضد حملة الفكروالفلسفة والعلماء وحسب بل ضد كل من يقف ضد شراهة رجال الكنيسة في التوسع والنفوذ.
لااحاول هنا ان اقدم سردا تاريخيا متكاملا لصراع الدين مع الحضارات فهذا يحتاج كتبا عديدة مسهبة ، بقدر مااود ان اشير لبعض الوقائع التي تثبت فرضية التناقض القائم بين الحضارات والاديان كما اسلفت في متن المقال.
اذا كان هذا ديدن المسيحية في اوربا فكيف تعامل الاسلام مع الارث الحضاري للشعوب التي تغلب عليها؟
لم يختلف الاسلوب كثيرا ماعدا التفاصيل فجوهر السلوك واحد ، لقد كان المسلمون يحرقون ويدمرون المكتبات اينما حلوا بحجة ان نصوصها تنافي شرع الله ، فقد احرق عمر بن العاص مكتبة الاسكندرية الشهيرة عام 640 م بامر من الخليفة عمر بن الخطاب وظلت الحمامات في الاسكندرية تستخدمها كوقود لمده 6 أشهر كامله . "وكان الجنود الذين صحبهم عمرو بن العاص فى فتوحاته فى مصر من البدو القح الذين لم تهذبهم الحضارة والمدنية بعد , ومن ثم فإنهم لم يقدروا الكتب والمكتبات حق قدرها " حسب رأي ابن خلدون (4)
كانت مكتبه الأسكندريه تحوى تسجيلا كاملا ودقيقا لاسس حضاره العالم ومقوماته الفكريه والثقافيه والعلميه في المراحل السابقة وعند تدمير الأساس ( السجل الحضارى ) إنهارت العلوم ورجعت البشريه قرونا من التخلف الحضارى .وكذلك فعل سعد بن الوقاص بذخيرة الفرس الفكرية من كتب الفلسفة والطب والهندسة والفلك حيث احرق كتبهم واغرق القسم الاخر بامر من الخليفة عمر بن الخطاب للسبب عينه.(5)





ولايقتصر الامر على ذلك " ... وأنظر إلى صلاح الدين الأيوبى نفسه عندما أمر بتدمير المكتبات الفاطمية فى مصر سواء بيت العلم أو مكتبات القصور , وكيف أن جنوده كانوا ينزعون جلود الكتب ليصنعوا منها نعال وأحذية لهم , ونفس صلاح الدين الأيوبى فعل بمكتبات الشام نفس ما فعله بمكتبات مصر , حتى قيل أن المجموعات التى دمرها قد بلغت فى مصر والشام نحو أربعة ملايين مجلد ". (6)
وفي 16 فبراير 1198 ميلادي أحرقت جميع مؤلفات ابن رشد، وتم حظر الاشتغال بالفلسفة والعلوم جملة، ماعدا الطب، والفلك، والحساب بعد اتهامه مع ثلة من مبغضيه بالكفر والضلال وإبعاده إلى "أليسانته"(بلدة صغيرة بجانب قرطبة أغلبها من اليهود).
والغزاة الوحيدون الذين فعلوا الامر نفسه ، هم المغول الذين احرقوا مكتبات بغداد او اغرقوها في نهر دجلة حتى اصبح ماؤه اسود من لون الحبر الذي كان يستعمل انذاك.
لرب سائل يسئل بعد ذلك، كيف تكونت لدينا حضارة ونحن كنا (ولازلنا) نحرق ونصادر كتب ومؤلفات الاخرين ذوي الرأي المخالف لنا ، و نحرم الفنون الجميلة (الرسم والرقص والموسيقى والباليه والنحت والغناء والتصوير ) بالاضافة الى التشريح والاشتغال بالفلسفة ، ونحتقر المهن اليدوية ونخرب العمران الذي بناه الاخرون بحجة انه وثني او كافر كما فعلت طالبان بتفجير تماثيل بوذا في باميان بافغانستان في شهر مارس عام 2001م ؟!
رغم قسوة هذا التساؤل وجديته، لكننا من جانب اخر، لانستطيع التغاضي عن الكثير من الاعلام والمفكرين والشعراء البارزين الذين ظهروا في العصر الاسلامي ، مثل المتنبي ، الفارابي ، ابن سينا، الرازي ، الجاحظ ، ابن رشد ، أبو نؤاس ،ابن الرومي ، جابر بن حيان، الكندي ، ابن الهيثم ، الخوارزمي ، المعري وابن خلدون والاضافات الفكرية المبدعة التي قدموها للفكر الانساني. والدورالفريد لبيت الحكمة في نقل حصيلة الفكر الانساني الى العرب ثم الى الاوربيين وماذا عن تطور فن العمارة وشواهده الحالية كالمسجد الاموي وقصر الحمراء وتاج محل ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق