قراءة في الجنة والسعادة



اشكالية تباين نوعية الدافع الترغيبي البشري فيما يعتبر الحد الأقصى للمكافأة للبشر مع الأخذ بعين الاعتبار البعد الانتربولوجي، ثم اجراء مقارنه بالطرح الديني لممنظومة الجزاء المرجئة لما بعد الموت في الأديان السماوية ومقارنتها بتلك السارية خلال الحياة كالكارما البوذية والهندوسية ومناقشة الانعكاسات المسلكية للتبني الفكري الايماني لكل منهما على حدة كمهج حياة.

كبداية سأتطرق الى احتمالات ما يمكن اعتباره قمة النشوة والسعادة للبشر والحد الأقصى لما يمكن ان يتخيله من رغد ومكافأة . كان يتطلب هذا استبيانا اجتماعيا للحصول على نتائج احصائية كدراسة انتربولوجية، وكان سيكون مجديا اكثر عند تنويع وفرز العينة الاجتماعية، كعينة من اهالي الخليج واخرى من بلاد الشام، عينة من اوساط متزمتة دينية واخرى منفتحه، عينة من اهالي الأرياف واخرى من اهالي الساحل .. الخ
لكنني سأكتفي بالمنحى النظري ثم سأعرج لعرض كل ما ورد عن الجنة في الإسلام والمسيحية واليهودية ثم نتبعها بتلك البوذية.

تفشي لنا الانتربولوجيا والسيكولوجي عن سر إمكانية حصر فرز الناس جميعا الى فئتين، اذ يبدي البعض طبيه منحازة (نسبيا) نحو المادية (الحسية)، او بمعنى ادق يتعاطون الأمور بمرجعية فكرية تمنح أولوية للبعد المادي المحسوس (مال – حواس – كسب – منفعه) وغالبا هم جلاف الأطباع غلاظ القول (في المنازل) بليدي الحس لأنهم يتعاطون بغرائزهم الخام بشكل مباشر دون تشذيب ولا يبذلون جهدا الا في سياق منفعة كجمع المال او الحصول على مرأة (لذلك تجدهم يهذبون انفسهم في العمل ويعودون للبذاءة في المنزل) لأنهم لا يبصرون مشاعر الآخرين والتعاطف ليس في قواميسهم وأغلبهم لا يرون المرأة الا متاعا جنسيا للرجل، فيتعايشون برضا مع الزيجات التقليدية (وان حدث وعشق فلا يحترم من أحبها بل يحسن معاملتها حتى وصوله لمبتغا ) وذلك ما يتميز به اهالي الأرياف (كالصعايدة والفلاحين) ويبلغ حده الأقصى مع اهالي الصحراء والبادية (العشائر) وتبقى هذه السمات مرسخة كإرث طبائعي مع تعاقب الأجيال بالتربية حتى مع تغيير تلك البيئة. وتجد هولاء يسخرون من المهن ذات الطابع الفني ومنتجاتهم كالشعر واللوحات ولا يسعهم تذوقها ولايقبلون على الأعمال التطوعية أوالأنشطة الاجتماعية باعتبارها سخافة وتفاهة ومضيعة للوقت، لأن اللاشعور لديهم لاينفك يخبرهم بأن لا كسب ولامتفعة تُجدى من ورائها.

أما الفئة الأخرى فتبدي انحيازا روحانيا (وجدانياً)، ويمكن اكتشاف ذلك من مدى رهافة الحس والتعاطف مع الآخرين، أولئك لا يترددون في بذل وانفاق المال في سبيل لحظة الهام، وغالبا هم اهالي المدن والسواحل والبرجوازيين.

وبطبيعة الحال ثمة استثنائات لتواجد الفئات في بيئات الفئات الأخرى، ناهيك عن الطيف الناتج عن التباين في شدة الانحياز، فليس غالبية البشر ذوي طبيعة بهائمية ولا غالبيتهم فنانين.

بعد هذا الوصف يستنتج المرء تلقائيا ان البشر ليسوا متساوين فيما يمكن إعتباره سبب سعادة وطمأنينة ومكافأة واقصى ما يمكن الحظي به، فما بالك فيما يمكن اعتباره دافعا ترغيبيا اغرائيا لينحى بالإنسان نحو مسلك افضل وأمثل والاقلاع عما يعتبر سيئا من السلوك.  هنا تجدر الإشارة الى نسبية ما يمكن اعتباره سيئا أو جيدا من السلوك فهي تخضع للموروث الثقافي المؤطر بخصوصية المجتمع. قد يخطر لأحدهم أن هذا ليس صواباً وأن ثمة ما يمكن إعتباره ثوابت أخلاقية تتجاوز حدود الزمان والمكان كسلبية السرقة والزنا. فأرد بأن السرقة أيضا نسبية فقد يعتبرها البعض حلالا مباحا في حالات معينة ضمن سياق ديني وضوء أخضر من الفتاوي، وهذا ما تشهده الدولة السورية من نهب. كما أن البغاء في بعض المعتقدات الدينية كان يعتبر نوعا من العبادة ويمارس في المعابد.

قمة أمال المادي الحياتية تنحصر في كل ما يشبع حواسه من ملموسات: مسكن فخم، سيارة فخمة، وجبة باهظة التكاليف في مطعم فخم، باغيات جميلات بهدف المضاجعة، وهو ما يمكن إسقاطه على ارتياد الملاهي الليلية في أوروبا من قبل الميسورين أو تعدد الزوجات (قرأت مقالا لشاب خليجي يعمل في احدى القطاعات الاعلامية، يدعو ويشجع الشباب الناشيء للزواج بأربع مفصحا عن الفائدة الصحية من منحنى جنسي، وهو لم يتزوج بعد بالأولى!).

أما الإنسان الملهم الفنان، فقد يضحي بحياته، ويبيع الدنيا وما فيها لأجل حبيبته، وإن كانت اقبح البشر (قلت لأجلها وليس لأجل الحظي بها) أو ليجد احباءه من الناس أصحاء، او لأجل لحظة غروب، أو للسماح له بإستنشاق عبير حديقة جميلة، او امتلاك لوحة او تمثال او اله موسيقية أكفأ وافضل اداء مما يملك، اولاقتناء آلة تصوير باهظة الثمن، أو تأسيس مجلة ثقافية، او مشروع إغاثي تبلغ خسائره اكثر من مرابحه.

صفات الجنة في الإسلام جاءت مناسبة لأهالي شبه الجزيرة العربية في تلك الحقبة الزمنية وسمات المرحلة، حيث كان متاع الدنيا واثمن ما يمكن امتلاكه من قبل اثرياء المجتمع هو الخمر واطايب الطعام ولذيذ الثمر والجاريات الجميلات (للزنا) والقصور الشامخات، وما كان لبنيتهم المعرفية تصور ما هو ابعد من ذلك، بيد ان مشاعر الحب كان أمرا محتقراً ومستصغراً مقابل تقديس الجنس المجرد المتجلي في عبادة اساف ونائلة الذي سبق وكتبت عنها. كما يُلاحظ خلو توصيف الجنة في الدين الاسلامي من أي بعد روحي يصلح لأن يكون دافعا إغرائيا لأولئك الروحانيين النزعه وإرتباط سمات التوصيف بشكل مباشر بالحواس والحاجات الجسدية الفيزيائية المحضة وتقييماتها، وهو ما يشكل تناقضا مع طرح الطبيعة الروحية للكينونة البشرية ما بعد الموت، التي طرحها الدين نفسه وتخلص الانسان من جسده عند الموت فأين له بلسان (تأكسد عضويا سلفا أواصبح طعاما لعلقات الأرض) وخلايا لاستشعار الطعم، وما جدوى الطعام أصلاً لجسد ذو طبيعة روحية لافيزيائية، فالطعام حاجة مرتبط بالبقاء، ودفع الموت والفناء، والحفاظ على حيوية الخلايا الجسدية ذات الطبيعة الفانية، بامدادها بمركبات كيميائية كامنة فيه والمفارقة ذاتها تنطبق على المغريات الجنسية الطابع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق