من اين جاء الماء الى الارض؟


المياه

البحار تغطي غالبية قشرة الارض، والثلوج المتجمدة في القطب الجنوبي والشمالي بدأت بالذوبان مسببة كوارث جمة ومع ذلك تزداد المناطق المصابة بالعطش. هذه الصورة تعكس كيف ان الماء يجلب ويأخذ الحياة على السواء. 

وعلى الرغم من أهمية المياه للبقاء على قيد الحياة، نحن لانعلم الجواب على سؤال اولي: من اين جاء الماء الى الارض؟ 
في المدارس نتعلم عن دورة المياه في الطبيعة، كيف ان الماء يتبخر ويتبرد ليتكثف ويعاود الهطول، وتستمر الدورة. ولكن الكتب المدرسية لاتتكلم عن مصدر المياه على الارض. 

لاحاجة للقول ان أصل المياه على الارض، من حيث المبدأ، مثله مثل اية مادة اخرى، يمتد تاريخه الى ماقبل 13,8 مليار سنة، الى الانفجار العظيم حيث تشكل الهيدروجين للمرة الاولى، وجزء مهم من هذا التاريخ موجود في مجموعتنا الشمسية. 

بعد الانفجار العظيم، ونقصد بعد واحد من تريليون تريليون من الثانية، وبفضل الطاقة المنطلقة عن تمدد الزمكان نشأت الحرارة وانطلقت اولى الجزيئات المادية. في الدقائق الثلاثة التالية تصادمت هذه الجزيئات مع بعضها وتدافعت لتلتحم وتتداخل لينشأ عنها مكونات جديدة، وتحديدا نواة الذرة الاولى. 
احدى أكبر انتصارات علم الفلك الحديث هو النموذج الرياضي الذي يصف هذه العمليات وترتب عليه التوقعات الصحيحة للمكونات الكونية لأبسط اشكال الذرة التي سادت في الكون المبكر وهي ذرة الهيدروجين وبكمية اقل ذرة الهليوم وبعض اثار الليتيوم. نشوء الهيدروجين كان الخطوة الاولى نحو نشوء الماء، ونحو نشوء كون يشكل فيه الماء الاحتمال الرئيسي في التكوين الطبيعي. 
ولكن من اين جاء الطرف الرئيسي الثاني في مكون الماء، وتحديدا الاوكسجين؟ 

للجواب على هذا السؤال يصبح من الحتمي تناول تكوين النجوم كحلقة في مراحل تطور الكون بعد الانفجار العظيم. 
في داخل النجوم الوهاجة تجري عملية تفاعل التحام نووي بمقتضى هذه العملية يحدث التحام للمكونات الاولى الناتجة عن الانفجار العظيم، حيث تنصهر الذرات البسيطة مع بعضها ليخرج عنها ذرات اكثر تعقيدا مثل الكربون والكبريت والاوكسجين. لاحقا تنفجر النجمة بما يسمى السوبر نوفا وتنشر العناصر الاولية التي انتجتها، في جميع انحاء الكون، معطية الامكانية لنشوء الماء. في الواقع انفجار النوفا نفسه يؤدي الى نشوء عناصر ذرية اكثر تعقيدا مثل الحديد والذهب. 

هل يعني اننا حصلنا على الجواب؟ 
ليس تماما. مكون الماء كان بالتأكيد جزءا من السحابة الكونية التي تكاثفت وانهارت على نفسها ليخرج عنها النجم وكواكبه بعد تشعة مليار سنة من الانفجار العظيم. غير ان التاريخ المبكر للارض بما فيه العصر الذي كانت فيه الارض ملتهبة ولم تكن تملك فيه اتموسفير، يعني ان المياه السطحية ستتبخر وستذهب الى الفضاء الخارجي بدون اي معوق. ذلك سيعني بالضرورة ان المياه الموجودة اليوم جاءت الى الارض بعد تبرد القشرة الارضية ونشوء الاتموسفير الواقي. 

أمام هذه المعضلة رأى الفلكيون ان هناك مصدرين ممكنين لقدوم الماء، البقايا من نشوء الشمس والكواكب المتناثرة في احزمة كثيفة بين كواكب المجموعة الشمسية والتي نطلق عليها الشهب والنيازك. الفرق بين الشهب والنيزك ان الاول يتضمن نسبة كبيرة من المواد القابلة للتبخر والتي نراها على شكل ذيل مضيئ طويل، من الفازات. الشهب والنيازك يمكن ان تحتوي على الجليد. وإذا اصطدمت هذه الاجسام الكونية مع الارض بكثافة كافية ، يمكن ان تنقل الى الارض مياه البحار اليوم، كما يعتقد العلماء. 
فهل جاءت المياه من الشهب ام من النيازك ام كلاهما؟. 

اختيار اي منهما هو تحدي بذاته، وخلال السنوات الاخيرة تنقل العلماء بين الخيارين. غير ان الملاحظات الاخيرة بناء على تحاليل المكون الفيزيائي والكيميائي للماء، تتوجه الاراء للاعتقاد بالنيازك. مثلا، في العام الماضي قدم العلماء تقريرا يوضح ان العلاقة بين مختلف اشكال الهيدروجين في النيازك تتطابق افضل مع الماء الموجود على الارض. غير ان التحاليل ترتكز على عينات محدودة، بما يكفي للقول ان الكلمة الاخيرة لم تقال بعد. 
ومع ذلك، في المرة القادمة التي تفتح فيها صنبور المياه، فكر بالرحلة العظيمة التي قطعها تيار الماء قبل ان يصل اليك، ليتوحد في ذراتك الكونية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق