اهم آلهة عرب الجزيرة




منـــاة:

أن مناة من الألهة الإناث ، وهى أقدم أصنام العرب. وقد كان منصوبا على ساحل البحر الأحمر من ناحية المشلل في قديد بين مكة المكرمة والمدينة المنورة –يثرب- (84). ويقال أن الذي وضعه في هذا المكان هو عمرو بن لحي الخزاعي (85). وكانت العرب جميعاً تعظم هذا الصنم وتذبح القرابين حوله ، ويقول ابن الكلبي :
( وكانت قبائل الأوس والخزرج ومن يسكن المدينة ومكة وما حولها من المناطق يعظمون مناة ، ويذبحون له ويهدون له ، كذلك عظمته قريش وقبائل خزاعة وهذيل) (86).
وكانت قبائل الأوس والخزرج اشد القبائل تعظيماً وتقديساً لهذا الصنم، فكانوا يحجون إليه ولا يحلقون رؤوسهم إلا عنده (87)، وهكذا نرى بأن العرب قد حلفوا بهذا الصنم وتسموا به مثل ( عبد منة) و(زيد مناة) و(أوس منة) (88).

وقد أختلف المؤرخين في هيئة الصنم(مناة) وشكله، منهم من قال: إن مناة هي صخرة ولذلك أنثوه لأن الصخرة مؤنثة(89) و ومنهم من قال: إن مناة صخرة، سميت بذلك لأن دماء الذبائح كانت تمنى عندها أي تهراق(90) ، وهناك من قال بأن مناة كانت صنم على هيئة وشكل قد نحت من الحجارة (91) .

ومن الرأي الذي يذكر بأن مناة كانت صخرة وكان الناس يذبحون القرابين عندها، يتضح بأن(مناة) كانت عبارة عن مذبح تهراق عنده الذبائح التي تقدم كنذور للآلهة، ويذكر العرب بأنهم عندما كانوا يذبحون الذبائح فإنهم كانوا يطلبون المطر تبركاً به(92).

ويتبين من ذلك بأن هذا المكان كان موضعا مقدسا، وقد خصص بإله ينشر السحب وينشر الرياح فتأتي الأمطار، لتغيث الناس، وأن لهذه الآلهة صلة بالبحر والماء ولذلك أقيم معبده على ساحل البحر(93)، ويرى المؤرخ جواد علي ( بأن الصخرة قد تكون مذبحاً أقيم عند الصنم (مناة) أو عند معبده لتذبح عليه ما يهل للصنم، فسمي باسمة ولذلك يمكن التوفيق بين الرأيين من كون (مناة) صخرة، وكونه صنماً...)(94).

ولم تذكر أكثر الروايات شيئاً عن معبد (مناة). ولكن المؤرخ العربي محمد بن جرير الطبري أشار في تفسيره إلى أنة كان بيتاً في                        المشلل(95). وهذا كلام منطقي معقول، إذ لا يعقل أن يكون(مناة)مجرد صخرة أو صنم قائم في العراء، تعبث به الرياح والشمس، ثم أن له سدنة(كهان) ولا يعقل أن تكون لصنم سدنة ثم لا يكون له بيت يؤويه .

ومن المحتمل أن يكون له(جب) أو(حفر) يلقي المؤمنون فيه هداياهم ونذورهم. إن لفظة(مناة) مشتقه من المنى والمنية وهو الموت أو القدر(96) ، ومن المنية والمنون، ومنها منى، وهو موضع في مكة يمنى فيه أي يهراق الدم فيه، وكانت(مناة) من آلهة الموت أو القدر عند البابليين وتعرف باسم ما مناتو(97).

كذلك كانت من الأصنام المعروفة عند النبط ، ورد اسمها في أقدم نقوش الحجر النبطية(98) . وكان أخر العهد لدولة الأنباط عام (106ميلادية ) ، وذلك بعد أن دمرهم الرومان وقضى على دولتهم فانحلوا واختلطوا بغيرهم من الشعوب المجاورة(99). وقد مثلت(مناة) الموت عند العرب في الجاهلية كما مثلته أيضاً عند البابليين، ولكنها لم تمثل القدر الذي تمثله (مناة) البابلية، لأن القدر قد تصوره العرب والشعراء الجاهلين رجل لا امرأة (100).

لقد ظل الصنم (مناة) محل تعظيم العرب وعبادتهم حتى فتح مكة عام (8 للهجرة- 630ميلادية – ) حيث عهد الرسول محمد إلى علي بن أبي طالب بهدمه، فهدمه وأخذ مكان له وكان فيما أخذة سيفان أحداهما لمعبد (مناة) الحارث بن أبي شمر أحد ملوك الغساسنة (101).


==========

الـــلات:


أن(اللات) من الألهة المشهورة عند العرب في الجاهلية. ويذكر ابن الكلبي أن اللات كانت على هيئةصخرة مربعة بيضاء في مدينة الطائف ، وقد أقامت عليها قبيلة ثقيف بيتاً وصاروا يسيرون إليها ويقدسونها على غرار الكعبة أو البيت الحرام ، وكان لها سدنة وحراس من هذه القبيلة ، ثم انتقل تقديس ( اللات) من ثقيف إلى قريش وجميع العرب (102).

ومن هذا يظهر بأن معبد \كعبة (اللات) الرئيسي في مدينة الطائف، مركز قبيلة ثقيف وإلى جانب هذا كانت لها معابد كثيرة ومنتشرة في مواضع عديدة من الحجاز. ويذكر بعض المؤرخين العرب أن (اللات) لم تكن مجرد صخرة ملساء ، بل كانت على هيئة صخرة ذات نقوش ، وكانت هذه الصخرة موجودة داخل بيت له أستار وسدنه على شاكلة الكعبة في مكة ، وحول هذا البيت كان هناك ثناء مقدس عند أهل الطائف ، حرم على الناس قطع الأشجار وصيد الحيوانات فيه (103) ، وكانت صخرة (اللات) حفرة يقال لها غبغب حفظت فيها الهدايا والنذور والأموال التي كانت تقدم للصنم (104).

وهناك روايات كثيرة حول مصدر واصل(اللات) ومن هذه الروايات ما يذكر بأن (اللات) من الأصنام التي أدخلها عمرو بن لحي الخزاعي على العرب، وقد أخذها من النبط - الأنباط - وكانت على شكل صخرة مربعة بيضاء مثلما كانت كذلك عند الأنباط (105)، وجاء في أخبار مكة أن (اللات) كانت في الأصل رجل من قبيلة ثقيف، وكان هذا الرجل في الزمن القديم يجلس على صخرة يبيع السمن واللبن فمات، وعندما تفقده الناس قال لهم عمرو بن لحي بأن ذلك الرجل لم يمت، ولكنه دخل في الصخرة ثم أمر بعبادتها ، وطلب أن يبنوا عليها بيتاً يسمى اللات(106) .

وهناك رواية أخرى تقول بأن صخرة (اللات) لم تكن مجرد صخرة عارية وإنما كانت على صورة وهيئة ذلك الرجل الذي دفن تحتها (107).

وهنا نحن أمام رأي يزعم أن (اللات) كان في الأصل أنسان ثم مات فلما توفي دفن في مكانه الذي كان يبيع السمن واللبن فيه ، ثم أتخذ قبره مزاراً، وقد يكون أن هذا الرجل صالحاً وذات سمعة جيده في أوساط قبيلة ثقيف ، ولهذا وبمرور الزمن صار قبره مزاراً . فهناك الكثير من القبور الأخرى التي اتخذت مزارات ، يخر عندها الناس ويتبركون بها ولهذا نهى الإسلام بعد ظهوره عن اتخاذ القبور مزارات، حتى لا تعظم وتقدس بدلاً من الله كالذي حدث عند الجاهلين ( 108) .

ولا يستبعد المؤرخ والباحث جواد علي أن تكون اللات نصباً من الأنصاب أي الأحجار التي كانت تستخدم لتقديم الذبائح والقرابين ، ثم أختلط أمرها مع الزمن على الناس فضنوا أنها صنم ، كما لا يستبعد أن تكون (اللات) من بقايا الوثنية البدائية التي تعبد فيها                        الأحجار حتى ولو كانت مجرد صخرة لاشكل لها .

وفي هذه الحالة تدخل عبدتها ضمن المذهب الفيتشي ((Fetichism (109)، بدليل أن بعض المؤرخين العرب القدماء قد أشادوا إلى أنه كان في صخرة (اللات والعزى) شيطانان يكلمان الناس (110) ، والاعتقاد بوجود شيطان أو روح ميت حلت فيها                        هو شرح لعقيدة عبادة الروح في الأشياء أي الفيتشية .

وتذكر المصادر التاريخية أن (اللات) كانت من الالهة التي أقسم بها العرب ليس بالطائف فقط وإنما في أنحاْ أخرى من شبه الجزيرة العربية ، والدليل على ذلك هو أن هناك أسماء رجال أضيفت باللات مثل : (يتيم اللات) و( زيد اللات) و(عائذ اللات) و(شيع اللات) و(وهب اللات) وما شاكل ذلك من أسماء (111) ، كما وأن الشعر العربي القديم قد ذكر جوانب أخرى من قسم العرب وتقديسهم ل (اللات) (112).

ومن جوانب ذلك التقديس ل ( اللات) هو أن أبناء قبيلة ثقيف كانوا إذا ما أقدموا على سفر توجهوا إلى بيت أو معبد اللات أولاً للتقرب إليها وشكرها على السلامة ، ثم يذهبون بعد ذلك إلى بيوتهم (113).

كما أن أبناء هذه القبيلة وغيرهم من العرب كانوا يعلقون القلائد والسيوف عليها ، وكانوا يقدمون الحلي والثياب والنفائس وما حسن وطاب في أعين الناس هدايا ونذور لها، وهذه الظاهرة هي من الظواهر العامة لدى العرب قبل الإسلام (114).

أن المصادر العربية تحتوي على عدد كبير من الروايات التي تتحدث عن أصل تسميت اللات ومن هذه الروايات ما يذكر بأن اللات أنما سميت لات من ( لوي) أن الناس كانوا يلوون عليها ويطوفون (115).

ومعنى هذا أن عباد هذه الالهة لم يكونوا يكتفون بالذبح عندها ، بل كانوا يطوفون حولها، طوافهم حول البيت في مكة . وبطبيعة الحال فأن مثل هذه التفسيرات حول أصل تسميت اللات هي من التفسيرات الكثيرة التي لا يمكن أن نثق بها.

وفي الحقيقة أن اسم (اللات) هو من الأسماء القديمة التي عرفت قبل الميلاد حيث كانت (اللات) اسم آلهة تمثل فصل الصيف عند                        البابليين- اللاتو- وكانت أيضاً من آلهة تدمر وآلهة الأنباط والصفويين، وكان الأنباط يعتبرونها إله الشمس(116) .

ويرى بعض الباحثين العرب بأن الأنباط اعتبروا اللات كأم للآلهة لديهم وهناك احتمال أن عبادتها قد انتقلت من الأنباط ومن القبائل العربية الشمالية إلى أهل الحجاز(117)، ويعتبر(اللات) أول الهة عربية ورد أسمها في نصوص المؤرخ اليوناني(هيرودوتس) وقد ذكر أسمها (ِAlilat) أو(Alelat) ، وكانت قد أحتلت مكانة سامية في ديانة أولئك العرب الذين سكنوا شبه الجزيرة العربية وهي تقابل الآلهة ((Minerva ، أي اثينه (Athene) عند اليونان(118).

ولقد ظلت (اللات) أهم ألهة قبيلة ثقيف حتى ظهور الإسلام، حيث تم هدم (اللات) ضمن حملة هدم تدمير أصنام العرب، وإحراق بيت أو معبد(اللات) بالنار وتم الاستيلاء على الأموال والهدايا العائدة لها من قبل أبو سفيان الذي أرسل من قبل الرسول إلى قبيلة ثقيف يدعوهم إلى الإسلام (119) .

وتشير المصادر العربية إلى أن مكان معبد أو بيت ( اللات) في موضع مسجد الطائف أو تحت منارة مسجد الطائف ( 120) ، ولا ندري أن كان إنشاء مسجد الطائف على موضع معبد ( اللات) رمزاً لحلول بيت الله محل بيت الصنم ( اللات ) وتعبيراً عن حلول الإسلام محل عبادة (اللات) الوثنية أم كان ذلك لسبب أخر ، هو وجود أسس سابقة وحجارة قديمة موجودة فاستهل الناس أقامة بناء المسجد في هذا المكان .

وقد فسر بعض المستشرقين إقامة المسجد في هذا المكان ، أنه تخليداً لذكرى الوثنية في نفوس من أسلم لسانه وكفر قلبه وليبقى                        أثراً يذكرهم بذكرى الهتهم القديمة (اللات) (121).

وقد ذكر الرحالة الإنكليزي ( جميس هاملتون (James Hamilton- ، الذي زار شبه الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر                        الميلادي ، بأن صخرة ( اللات) ، كانت ولا تزال في أيامه في مدينة الطائف ، وقد شاهدها ووصفها بأنها صخرة من الكبريت ذات شكل خماسي وأن طولها زها أثنى عشر قدما ً(122).

========


العـــزى:


أن العزى من الألهة الإناث عند العرب، وكانت موجودة قي منطقة تهامة في وادي يسمى (حرض) على الطريق المؤدي إلى العراق من مكة .وتذكر بعض الروايات التاريخية بأن عمرو بن لحي الخزاعي هو الذي أدخل عباد( العزى) إلى العرب ، وكان يقول لقومه : ( أن ربكم يتصيف باللات لبرد الطائف ويشتو بالعزى لحر تهامة)(123).

أما ابن الكلبي فقد ذكر يقول بأن الذي أوجد عبادة الصنم (العزى) هو ظالم بن أسعد من قبيلة قريش ، وهو الذي بناء عليها بيتاً وكانت تصدر منه أصوات غريبة (124).

وهناك خلاف بين الرواة العرب والمؤرخين العرب حول أسماء القبائل التي كانت تعبد (العزى)، على أنهم يجمعون أن قريش، وكنانة، وخزاعة، وجميع بني مضر كانوا يعبدونها ويتبركون بها(125)، وكانت سدنتها الذين يحرسونها هم بنو شيبان من بني سليم، حلفاء بني هاشم(126).

وحول صفات وشكل الصنم (العزى) نرى بأن هناك روايات عديدة ومختلفة. فبعض هذه الروايات ما يذكر بأن (العزى) كانت عبارة عن شجيرات في الوادي كان الناس يتقربون إليها بالنذور(127)، وهناك روايات أخرى تقول بأن صنم (العزى) كان عبارة عن حجراً أبيض ثم بني معبد عليه(128).

ونحن هنا أمام رأيين، إحداهما يقول بأن العزى شجيرات، والثاني يقول بأن(العزى) كانت حجر، ويرى المؤرخ والباحث جواد علي بأن الرأي المعقول المقبول هو أن(العزى) حجر أو صنم له بيت أو معبد ، وأمامه خزانة يضع فيها العباد المؤمنون (بالعزى) هداياهم ونذورهم لها ، كما كانوا ينحرون لها، أما الشجر أو الشجيرات فإنها أيضاً كانت مقدسة ولا بد وإنها كانت موجودة في حرم البيت، لذلك صارت محرمة لا يجوز مسها بأي سوء كان(129).

وحول ما ذكره الرواة من أنة كان في معبد (العزى) أصوات في (اللات) و(مناة) ، وكانت هذه الأصوات تكلم أو تحدث الناس، فإن جواد علي: يرى بأن مصدر هذه الأصوات قد يكون امرأة كان السادن يخفيها في موضع سري ، وهي التي تجيب عن أسئلة السائلين فينسب السادن كلامها إلى (العزى)(130) . وقد أعتمد الباحث جواد علي في بناء رأيه هذا على بعض الروايات التاريخية التي ذكرت بأن خالد بن الوليد عندما هدم معبد(العزى) بأمر من الرسول، خرجت علية من جوف المعبد امرأة حبشية عريانة وهي تصرخ ، وقتلها وأخذ ما في المعبد من حلي وهدايا(131) .

ويبدو لنا أن ما طرحة الباحث جواد علي حول هيئة وشكل(العزى) هو رأي مقبول لحد كبير ولاسيما وأن عدد من المؤرخين العرب القداماء قد أشاروا إلى أن النبي محمد عندما فتح مكة وبدأ بتحطيم الأصنام قد عهد وكلف خالد بن الوليد بقطع شجرة (العزى) وهدم البيت، وكسر الصنم أو الوثن(132).

ومن هذا يظهر بأن معبد أو بيت (العزى) كان يحتوي على صنم وأشجار وبلا شك بأن هذه الأشجار كانت موجودة في فناء المعبد. وقد كانت قبائل قريش من أكثر القبائل العربية الأخرى تعبداً واهتماماً (بالعزى)، فكانت تزورها وتهدي إليها، وتتقرب إليها بالذبائح، وذكر إبن الكلبي: بأن (العزى) كانت أعظم الأصنام عند قريش، وأن قريشاً كانت تطوف بالكعبة وتقول: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وكانوا يقولون: هن بنات الله، وهن يشفعن إليه(133).

وقد خصصت قريش منحراً وحرم أيضاً هي حرم مكة أو الكعبة ويقول ابن الكلبي ايضاً بأن الرسول عندما كان لا يزال بعد على ديانة قومه قد أهدى (للعزى) شاة عفراء(134)، كما أن خالد بن الوليد ذكر بأن والده كان يأتي إلى معبد (العزى) ومعه الإبل والأغنام فيذبحها(للعزى) ويقيم عندها ثلاثة أيام(135).

من هذا يظهر لنا أهمية الصنم (العزى) لدى العرب ومظاهر تقديسه وقد تسمى العرب وقريش بشكل خاص (بالعزى) ، فكانت بينهم أسماء مثل: (عبد العزى) كما يبدو وأن العرب قد اعتقدوا بأن هناك علاقة ما بين اللات والعزى وربما تصوروها بأنها أم ولها ابنتان هما اللات ومناة وهذه الصلات ما بين اللات والعزى نجدها في القرآن الذي ذكر العزى بعد اللات وكذلك ترد العزى بعد اللات في جميع الروايات التاريخية مما يشير إلى وجود صلة بين اللات والعزى، ولا يستبعد أن تكون هذه الصلة بين الصنمين قد جاءت إلى بلاد الحجاز من بلاد الشام من أهل تدمر وبادية الشام والصفويين، إذ وردا وكأنهما إلهان متقابلان(136).

وهذا ما دفع بعض المستشرقين إلى القول بأن اللات والعزى أنهما يمثلان كوكبين: كوكب الصباح وكوكب المساء(137) . ويذكر بعض الباحثين بأنة كان (للعزى) عند عرب الجاهلية علاقة بالزواج فكانت الفتاة إذا طلبت الزواج نشرت جانباً من شعرها، وكحلت إحدى عينيها، وحجرت على إحدى رجليها ليلاً، وقالت عبارة معناها أنها تدعو أن تتزوج (مثل الصباح) (138) . أي قبل أن يطلع كوكب الصباح وهو العزى.

و(العزى) مثل (اللات) و(مناة) من الآلهة المعبودة عند عرب العراق وعرب بلاد الشام وعند الأنباط والصفويين. وقد ورد إسم (العزى) مرتين في المصادر المؤلفة بعد الميلاد، فقد أشار إسحاق الإنطاكي وهو من مؤرخي القرن الخامس الميلادي على إسم(العزى) في حديثة عن مدينة(بيت حور(Beth – Hur وسماها بـ(Beltis) أي (كولبتا) المذكورة في المصادر السريانية وهي أنثى كوكب، وتعني الكوكب الذي يظهر عند الصباح وهو العزى عند الجاهلين العرب(139).

وكانت عند الأنباط هي (الزهرة(Venus- (140) . وذكر بعض المؤرخين على أنها( إفروديت) أو أنها (ملكة السماء) المذكورة في سفر أرميا (141).

وقد كانت عبادة (العزى) شائعة بين عرب جنوب الجزيرة العربية أيضاً فقد جاء في نقش عربي جنوبي إسم امرأة( أمة العزى) و(أمت عزي)، كما أن أحد العرب الجنوبيين قدم تمثالاً من ذهب إلى هذه الإلهة(142).

وتذكر المصادر التاريخية أن(العزى) كانت تعبد في الحيرة وكان ملوك الحيرة يقدمون لها البشر قرابين في بعض الأحيان. وأن المنذر ملك الحيرة في النصف الأول من القرن السادس الميلادي كان يقدم إلى(العزى) الأسرى كقرابين كما أن المنذر ضحى بأربعمائة راهبة(للعزى)(143) . وذكر إسحاق الإنطاكي، أن العرب كانوا يقدمون الأولاد والبنات قرابين للكوكبة (كولبتا) فينحرونهم لها ويقصد بـ(كوكبنا، العزى)(144).

ومهما كانت الأخبار والروايات حول (العزى) متناقضة أو مختلفة فأن هذه الالهة، شكلت مع اللات ومناة ، ثلاثي آلهي ورد ذكره في القران الكريم (145) . وكان له أهمية كبيرة في عبادات العرب قبل الإسلام ، وقد استمرت عبادة (العزى) عند العرب حتى ظهور الإسلام وتهديم معابدها . وقد رافق تهديم هذا المعبد الكثير من الروايات الأسطورية التي تدلل على مكانة (العزى) الدينية لدى عبدة الأصنام من العرب (146).

==========


ذو الشـــري :


تذكر المصادر التاريخية بأنة كان للعرب ألهة سميت بأسماء أماكن معينة أهمها اثنان : ذو الشري وذو الخلصة. ولا ندري تماماً إلى أي مكان انتسب الاله (ذو الشري) ، فالمواضع التي كان لها( الشري) أسماء كثيرة من بينها ما ذكره المؤرخ ياقوت الحموي في معجم البلدان قائلاً : (والشري موضع عند مكة شعر مليح الهذلي...) (194) .

وهناك من يقول أن إسم (ذو الشري) موضع عند مكة في السراة (195). وجبال السراة هي السلسلة الجبلية التي تمتد على البحر الأحمر في الحجاز ولم تذكر المصادر التاريخية أو الروايات التاريخية أية تفاصيل عن الاله (ذو الشري) وعن صفاته وخصائصه، أما ابن الكلبي ذكر قائلاً: بأن ذو الشري الها كان لبني الحارث بن يشكر بن حبشر من الأسد) (196).

ويظهر أن المواضع التي حملت إسم ذو الشري كانت على العموم خصبة وأشبه بالواحات ومثل هذه المواضع الخصبة في بلاد العرب الجدباء لا يستبعد أن يصبح مركز عباده ، وقد ورد اسمه في الحديث النبوي وكذلك ورد بين أسماء العرب الجاهلي مثل " عبد ذي الشري (197) . وفي الكتابات النبطية ورد اسم " ذي الشري " مع اسم الآلهة " هبل " و" مناه" مما يدل على أنه من الآلهة المعروفة عند العرب (198).

وقد ذكر بعض الباحثين بأن الأنباط كانوا يعبدون الشمس عبادة خاصة ، وكان لهم في عاصمتهم "بتراء- Petra" معبد كبير لا كرامها وكانوا يدعونها باسم أخر وهو ذو الشري أي الإله "المنير" .. (199) .

وقد كان ا" ذي الشري " يعبد لدى الأنباط وهو على شكل حجر أسود خام ذي أربعة أضلاع ، يبلغ طوله أربعة أقدام وعرضه قدمين . وكان دماء ضحاياه تصب عليه أو أمامه وكانت تحته قاعدة ذهبية ، كما كان يتألف معبده كله بالذهب وبالهبات التي كانت تنذر له (200) .

===============


ذو الخلصـــة :



تشير المصادر التاريخية إلى أن الالهة " ذو الخلصة " كان ذا مكانة رفيعة تفوق مكانة(ذو الشري) في أوساط العرب الجاهلين ولربما كانت هناك منافسة شديدة بينه وبين أرفع بيت ديني عند العرب ألا وهو حرم مكة أو البيت الحرام .

وقد كان " ذو الخلصة " يسمى الكعبة اليمانية ، والبيت الحرام يسمى الكعبة الشامية (201) . وقد كان " ذو الخلصة " موجوداً في مدينة (تباله) ، بين مكة واليمن ، وكان سدنته من بني أمامه بن باهلة وكانت تعظمه وتقدسه قبيلة " خثعم" وبجيلة وأزد السراة وأقرباءهم من بطون العرب من هوازن (202) .

وتذكر الروايات التاريخية أن " ذو الخلصة " كان على شكل حجر بيضاء منقوشة عليها شكل تاج (203) . وأن الذي نصبت هذه الحجرة هو عمرو بن لحي الخزاعي ، وأن العرب كانوا يقدمون لذي الخلصة الهدايا مثل الشعير والحنطة ويصبون عليه اللبن ويذبحون له القرابين (204) .
وقد كان ل " ذو الخلصة " بيت أو معبد يحج إليه الناس ويقصدونه للاستقسام عنده بالأزلام ـ إلهام ـ وكانت له ثلاثة أقداح ـ سهام ـ وهي : الأمر ، والنهي ، والمتربص (205) .

وما عدى هذه الروايات التاريخية هناك بعض المعلومات التي تفيد بأن (ذو الخلصة) اسم للبيت الذي كان فيه الحجر . وقيل اسم البيت هو الخلصة . واسم الصنم\الحجر ذو الخلصة (206) . ولربما هذا الكلام كان فيه نوع من الصحة كما هو الحال مع " العزى " ومعبدها . وبكلمة أخرى قد يكون ذو الخلصة هو المعبد الذي يحتوي على الحجر الأبيض المنقوش . والذي هو الصنم نفسه ، ويرى المؤرخ جواد علي : بأن العرب من عبدة " ذو الخلصة " كانوا يطوفون حول كعبة أو بيت هذا الاله وكان في داخل هذا البيت صنم\حجر يدعى الخلصة (207) .

ويبدوا أن طواف العرب حول " ذو الخلصة " يشبه ذلك الطواف الذي كان يتم في مكة ، أي الطواف حول الكعبة التي كان في داخلها الحجر الأسود .

أن " ذو الخلصة " ظل قائماً ومقدساً لدى بعض القبائل العربية حتى ظهور الإسلام وبعد قيام الرسول بفتح مكة وتحطيم أصنامها ، فقد ذكرت الروايات التاريخية بأن الرسول عندما سمع ببقاء " ذو الخلصة " قام في عام (632 ميلادية) بتجهيز حملة عسكرية بقيادة جرير بن عبد الله البجلي لتحطيمه . وقد خاض البجلي وجماعته قتال شديد ضد قبائل خثعم وباهلة التي كانت تدافع عن " ذو الخلصة " وبعد الانتصار قام البجلي وجماعته بهدم " ذو الخلصة " وتم إحراق معبده بالنار وقتل من فيه من حراس وسدنته (208) .

ويرى بعض المؤرخين والباحثين العرب بأن جرير بن عبد الله البجلي لم يتمكن من هدم بنيان " ذو الخلصة " كله لضخامته وأنه أكتفي بهدم قسم من ذلك البناء وأنه هدم ودمر الأصنام التي كانت في داخل ذلك البناء أي في داخل معبد " ذو الخلصة " أما جدران هذا المعبد فقد ظلت قائمة حتى بداية القرن العشرين،

والدليل على ذلك هو أن الملك عبد العزيز آل سعود عندما أستولي على الحجاز أمر بتحطيم بقايا المعابد الوثنية وإخضاع القبائل العربية القاطنة في سراة الحجاز ، بحجة أن هذه القبائل كانت تحاول العودة إلى البدع والخرافات والتقاليد الدينية التي كانت سائدة قبل الإسلام ، وكانت بقايا معبد " ذو الخلصة " من تلك الابنية التي شملها هذا التدمير والتحطيم في هذه الفترة (209) .

وبهذا انتهت آثار معبد" ذو الخلصة " والتي ظلت قائمة منذ القرن السابع الميلادي .

=========

هُـــبل :


أن أعظم أصنام قريش التي كانت موجودة في جوف الكعبة وحولها ، وكانت من عقيق أحمر على صورة إنسان ، مكسور اليد اليمنى ، أدركته قريش كذلك فأضافوا إليه يداً من ذهب(147)، وكان منصوباً على بئر في جوف الكعبة.


وليس هناك خلاف بين المؤرخين العرب القدماء في أن (هبل) كان على هيئة إنسان رجل ، ولكن هناك خلاف حول أول من دعا إلى عبادة (هبل) ، ومصدر هذا الصنم.
فقد ذكرت بعض الروايات بأن عمرو بن لحي الخزاعي قد جاء بهذا الصنم إلى مكة من العراق من هيت منصبه على البئر الذي حفره إبراهيم الخليل عليه السلام في بطن الكعبة ليكون خزنه للبيت الحرم يلقي فيه ما يهدي إلى الكعبة ، وان عمرو بن لحي هو الذي أمر الناس بعبادته(148).

أما ابن الكلبي فيقول بأن أول من نصب (هبل)( في جوف الكعبة هو (خزيمة بن مدركة بن اليائس بن مضر القريشي) فكان يقال له هبل خزيمة أو صنم خزيمة ، وقد ورث أولاد خزيمة من بعده سدانة هذا الصنم وحراسته (149).

وعلى الرغم من شهرة الصنم (هبل) الواسعة في أوساط العرب قبل الإسلام إلا أننا لا نجد تفسيرات واضحة لمعنى (هبل) في كتب اللغة والتاريخ العربي . فقد قال البعض أن (هبل) من االهبلة ومعناها القبلة وذكرها البعض الآخر أنه من (الهبيلي) بمعنى الراهب وذكر أن (بني هبل) كانت تتعبد له (150) . وذكر انه من (هبل) ومعناها كثرة اللحم والشحم في الجسد، وما شاكل ذلك من آراء(151).

ويبدو أن أسباب هذا الخلاف في اصل تسمية (هبل) تعود إلى أنه من الأصنام المستوردة من الخارج التي حافظت على تسميتها الأصلية في بلاد العرب وما عدى هذا فإن شهرة (هبل) الواسعة لأنجد لها صدى في القرآن حيث لم يتم ذكر هذا الصنم ولو لمرة واحدة.

ولهذا فقد ذهب بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن هناك نوع من العلاقة مابين الصنم (هبل) الذي يعبر عن العبادات الوثنية لدى العرب ، وبين مفهوم وعظمة (الله) الذي يرمز للعبادات التوحيدية عند العرب بعد الإسلام ، ولاسيما أن فكرة الإله الواحد أو الإله                        العظيم كانت فكرة معروفة لدى العرب في الجاهلية.

لقد أمتاز(هبل) عن غيره من الأصنام الثلاثة الشهيرة عند العرب لبعض الطقوس والشعائر، فإلى جانب الهدايا والقرابين التي كانت تقدم له فإنه كان يستفتى في مشكلات العرب الشخصية كالزواج والولادة والسفر والعمل وغيرها من الأمور، وذلك عن طريق رمي الأقداح أو القداح،- السهام- حيث كان أمام (هبل) في جوف الكعبة سبعة أقداح – سهام-ثلاثة إغفال لا كتابات فيها وأربعة دون عليها كتابات لمختلف الأمور، وكان يشرف على هذه الأقداح رجل يسمى أمين الأقداح (152).

وإذا أراد العرب عمل شيء جاءوا إلى الأقداح ، فضربوا بها فما خرج من القداح عملوا به وانتهوا إليه (153).

ومن الروايات التاريخية الشهيرة في مجال ضرب القداح هو ما ذكر حول ضرب عبد المطلب بالقداح عند (هبل) على ابنه عبد الله والد الرسول وعندما خرج قدح –سهم- الأمر ، وطلب الصنم من عبد المطلب بذبح ابنه عبد الله ، اعترضت قريش على ذلك ، وبعد استشارة الكهنة كانت عملية الفداء والمساومة مع(هبل) وبلغ التعويض عن ذبح عبد الله بعدد من الإبل بلغ مائة حيث نحرت هذه الإبل وتركت عند (هبل)(154) .

وتشير المصادر التاريخية إلى أن (هبل) كان من الأصنام التي يأخذها العرب معهم إلى ساحات الحروب و ينادون باسمها إثناء القتال ، وهذا ما فعلة أبو سفيان بن حرب عندما اخذ معه (هبل) إلى معركة أحد التي دارت بين الرسول محمد وأصحابه وبين بعض العرب قبل إسلامهم وذلك في عام (627ميلادية) ، وفي هذه المعركة كان الرسول محمد يطلب النصر من الله في حين كان أبو سفيان بن حرب يطلب النصر من الصنم(هبل)(155) .

وعادت حمل الأصنام إلى المعارك والحروب وإشراكها مع الناس في القتال عادة قديمة معروفة عند العرب وعند غيرهم، فقد حمل العبرانيون والفلسطينيون أصنامهم معهم إلى ساحات القتال(156) .


ومثلما نجد أن ذكر(هبل) في المصادر العربية القديمة ضئيل جداً فإن ذكره لم يرد إلا في نقش نبطي واحد وجاء أسمة مع إسم الصنمين(ذي الشري) ومنوتو(مناة)(157) ويرى بعض الباحثين أن (هبل) هو نفس الإله(بعل) عند العبرانيين(158) ويرى البعض الأخر بأن(هبل) هو نفس إله الفينيقيين(هبعل) والذي كان يعتبر أكبر أصنامهم(159)

وليس هناك رأي قاطع في هذا الموضوع ولعل السبب في ذلك هو أن كافة الباحثين في ديانات العرب قبل الإسلام قد كررت نفس المعلومات الواردة في الروايات العربية القديمة بشكل خاص كما أن عدم إشارة في القرآن عن الصنم(هبل) على ما يبدو قد أدى إلى أن المؤرخين العرب القداماء لم يبذلوا جهداً في التوسع في موضوع الصنم(هبل) .


====================

الخلاصة ان هبل هو صنم مستورد ويقابل الاله الفينيقي\العبراني بعل يعني ليس من بلاد العرب بل ولم يكن له معبد خاص به في                        الجزيرة العربية بل كان واحد من الاصنام المعروضة في الكعبة .. وعدم اشارة القران لهبل له مغزى ومعنى كبير يشكك في اهمية هبل !! او ربما لاسباب اخرى لا نعلمها
علما ان القران ذكر بعل ووضعه ندا لله : "اتدعون بعلا وتذرون احسن الخالقين" الصافات 125

=================

عبادات أو تقديس الأشجار والأحجار والحيوانات:


لقد قدس بعض العرب أنواع مختلفة من الأشجار والحيوانات والكهوف وينابيع المياه وغيرها من الأشياء المادية المحيطة بهم . فالأشجار وخاصة شجرة النخيل كانت تشكل عنصراً أساسياً في حياة العربي سواء كان بدوياً أو من سكنة الواحات والمناطق الزراعية حيث كان العربي يعتمد على ثمارها كغذاء رئسي ويعتمد على أجزاء أخرى منها لتغطية حاجيات وضرورات أخرى في حياته اليومية.


ومما يزيد اعتقادنا في تقديس بعض العرب للأشجار وما ذكره بعض المؤرخين العرب القدماء حول أهمية الأشجار، فقد ذكر ياقوت الحموي عن الحديبية قائلاً(هي قرية متوسطة ، سميت بيير هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله تحتها) وقد جاء في القران : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)


وقد أمر الخليفة عمر بن الخطاب بقطع هذه الشجرة بعد أن عرف بأن الناس كانت تزورها وتتبرك بها ، وذلك خوفاً من أن يقوم هؤلاء بعبادتها.

أما المؤرخ العربي ابن إسحاق فقد ذكر قائلاً : (لقد كان أهل نجران على دين العرب يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم لها عيد كل سنة وإذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلوا النساء ثم خرجوا إليها فعكفوا عليها يوماً كاملاً..)


ولم تكن عبادة الشجرة مقصورة على عرب الجنوب ، فقد جاء في كتاب (أخبار مكة) (بأنه كان لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها "ذات أنواط" يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها ، ويعكفون عندها يوماً)


ومن هذا يظهر أن بعض العرب قبل الإسلام عندما عبدوا وقدسوا الأشجار ، فأنهم قد تصوروا بأن آلهة قد دخلت هذه الأشجار أو                        أنهم اعتقدوا بأن هناك أرواح دخلت في هذه الأشجار فأعطتها الفائدة الحيوية بالنسبة لهم وهذا النوع من العبادة أو التقديس هو ما يعرف باسم (الارواحية أو حيوية المادة Animism


وتقديس الأشجار وليس عباداتها هو من العادات العربية التي استمرت حتى ظهور الإسلام وإلى يومنا هذا.


أما بالنسبة لعبادة وتقديس الأحجار وخاصة ما كان منها يختلف عن اللون الرملي المعتاد في الصحراء، مثل الحجر الأسود، وفي                        بعض الأحيان الحجر الناصع البياض ، فأنها كانت من الأشياء المقدسة لدى بعض ض القبائل البدوية

ومما لاشك فيه أن العربي في البادية قد ربط بين هذه الأحجار النادرة في الصحراء وبين القوى الخفية التي تتحكم بالعالم والإنسان ، وقد تطورت عبادة الأحجار لدى العرب بحيث أن الحضر أو سكان المدن لهم آلهتهم الخاصة والتي هي صخور وكتل حجرية كبيرة ، كما هو الحال في حضرموت حيث كان بعض العرب يتعبدون لصخرة كبيرة بيضاء اللون تبدو وكأنها على هيئة إنسان ، كما وأن صنم (ذو الخلصة) كان على شكل صخرة بيضاء وكانت موجودة في (ثباله) بين مكة واليمن


وعندما نأتي على تقديس وعبادة الحيوانات فأننا نجد في القران ، بعض الإشارات حول تلك الحيوانات التي قدسها العرب قبل الإسلام ، وهناك بعض القبائل العربية كانت تسمي أبنائها بأسماء حيوانات مثل: بنو أسد ، وبنو كلب، ومثل: ثور ، وقرد، وذئب ، أو بأسماء طيور مثل: عقارب ، ونسر ، وأسماء حيوانات مائية مثل: قريش.


وهذه التسميات وغيرها وأن كانت من قبيل التفاؤل فإنها تشير إلى تقديس العرب للحيوانات هذه وما عدى هذا فإن العرب كانوا يتفاءلون بالطير كالحمامة وبنباح الكلاب ويتشاءمون من الثور الأعضب مكسور القرن ومن الغراب ، وكان العرب يتجنبون قتل الحيوانات المقدسة لديهم كما أنهم إذا مات أحد تلك الحيوانات فأنهم يحتفلون بدفنه وحزنوا عليه . وقد كانت قبيلة (بنو الحارث) إذا وجدوا غزالاً ميتاً غطوه وكفنوه ودفنوه وحزنوا عليه ستة أيام .


ويظهر أن العرب قبل الإسلام كانوا يقسمون الحيوانات إلى أقسام منها المفيدة والتي كانت ترافق العربي في حياته اليومية ، ومنها الحيوانات الضارة والتي كان يخشاها العرب ، والتي يعتقد بأنها ذات أرواح شريرة ، والحيوان المقدس لدى العرب لا يمكن أن يكون غذاء إلا في حالات دينية استثنائية نادرة ، وذلك عندما تنتعش حياة القبيلة وتجدد باشتراكها مع الإله أو القوى الخفية في قسمة هذا الحيوان حيث يكتفي الإله بروح الحيوان أو بدمه أما اللحم فيتناوله أبناء القبيلة .

وعلى الرغم من الروايات العديدة التي تذكر تقديس العرب للحيوانات ، إلا أن معلوماتنا لا تزال قليلة بخصوص ميزات تلك الحيوانات الدينية وشعائرها . وتجدر الإشارة هنا بأن العرب قبل الإسلام قد نسجوا الكثير من القصص والأساطير الخيالية ذات الطابع القدسي أو الطابع المقدس ، حول الكثير من الأشياء المادية والكائنات في الطبيعة ، إضافة إلى الأشجار والأحجار والحيوانات .



وإذا كانت بعض تلك المعبودات بالنسبة لبعض العرب في بداية تكوين الفكر الديني لديهم ، بمثابة آلهة ، فأن تطور الفكر الديني فيما بعد قد أدى إلى أن تكون تلك المعبودات صارت بمثابة وسائط بين الإنسان وبين القوى الخارجية أو المجهولة والتي تتحكم بالكون .

يهود كردستان بي السبي الاشوري والتهجير القسري



السبي البابلي
جدارية تصور السبي البابلي
يعتبر أقدم وجود لليهود في العراق زمن الإمبراطورية الآشورية الأخيرة التي دامت حوالي ثلاثمائة عام , فقد لعبت هذه الإمبراطورية دوراً في تحطيم مملكة يهوذا وسبي السكان اليهود إلى أماكن جبلية في بلاد آشور ( كردستان العراق وإيران وتركيا), حيث أكد الدكتور أحمد سوسة في كتابة " حياتي في نصف قرن " ص83 : ( فقد نمكن شلمنصر الثالث (859 – 824 ق.م) من إخضاع الآراميين والفينيقيين وإسرائيل , ثم الحملة الثانية الذي قام بها ملك آشور " تجلات بلاشر الثالث( 746-727ق.م) بحملة على مملكة إسرائيل واستوى على أراضيها ما عدا السامره وضمها إلى آشور وحملً سكانها اليهود إلى الأماكن الجبلية النائية من المملكة وأحل محلهم سكان من أقاليم أخرى .
كما وقام الملك شلمنصر الخامس (727-722ق.م) بحملة على مملكة إسرائيل ومحاصرة عاصمتها السامره , فقد أجلى قائد الجيش بعد وفاة الملك شلمنصر الخامس ما يقارب 27290 نسمة إلى المناطق الجبلية في مملكة آشور وكذلك الملك سنحاريب (705-681ق.م)فقد قام بحملة على مملكة يهوذا وأخذ من اليهود مائتي ألف نسمة إلى أماكن جبلية بعيدة).
بعد استقرارهم في كردستان وجبالها كوًنوا لهم قرى خاصة بهم وانسجموا مع التجمع الكردي والبعض قد اندمج مع السكان الوثنيين والديانة النصرانية عند ظهورها , فقلدوا الأكراد في خط حياتهم إذ يمارسون أعمال الزراعة وتربية المواشي تحت حماية رؤساء القبائل الأكراد مقابل دفع الجزية لهم , فقد انتشروا في مناطق كردستان العراق كالعمادية وكفري ودهوك وعقره وزاخو والزيبار وبرواري العاليا والسفلى والمزوري والدوسكي , فقد عمل البعض في صياغة الذهب والتجارة والحياكة والبعض عمل في مجال حقول الزراعة وتربية المواشي .
لم يكن عددهم في تلك الهجرة الجماعية يزيد على أربعة آلاف نسمة , غير أن الكثير من الباحثين يحددون تأريخ ظهور أول مجموعة يهودية في العراق في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع قبل الميلاد , وإن هذا التأريخ يأتي متطابق مع تأريخ السبي الآشوري إلى شمال العراق بحدود عام ( 626 ق.م) طبقاً لسياسة الإمبراطورية الآشورية في تشتيت الأسرى الواقعين تحت سيطرتهم إلى عدت مناطق نائية منعزلة عن أي تجمع سكاني قريب آخر , ويلاحظ إن بعض المؤرخين كان يظن إن الأسرى من السبي البابلي التقوا بأبناء جلدتهم من الأسرى الآشوري , فيوسف غنيم مؤلف كتاب (نزهة المشتاق في تأريخ يهود العراق) يقول : " إن قوافل من السبي البلبي شاهدوا أبناء جلدتهم جالية ضخمه من أعقاب شلمنصر وسنحاريب وأسرحدون فتعانقوا معانقة أعز الأخوان وتعاونوا في منفاهم على حفظ كيانهم وصيانة تقاليدهم من كل مس".
ويذكر الرحالة الانكليزي ( ولستد) إن في بغداد وحدها حوالي سبعة آلاف يهودي , علماً أن رحلة السيد ( ولستد) كانت في عام 1830 وفي مطلع القرن التاسع عشر قدر عددهم في بغداد حوالي 2500 أسرة يهودية , أما في السليمانية فقد قدر عددهم ب(300) أسرة وهم موجودون في مدن أخرى منها العمادية بنسب مختلفة في ذلك الوقت وفيها لهم كنيسان فوق قلعتها وكذلك في (صندور) وفي (بيت النور) كنيس آخر وفي عام 1620 إذ اهتم اليهود في هذه المنطقة وتمركزهم فيها بسبب تواجد ضريح داود بن يوسف بن أفرام المتوفى عام1620م ويدعى( ابن حران) وإلى جانبه زوجته( الست نجاد), ولهم جالية في معبد في كفري , ويذكر يوسف غنيمة :"إن حكومة الاحتلال قامت بإحصاء لسكان العراق عام1924 فكان عدد يهود العراق 87448 نسمة موزعين على خمسة عشر مدينة عراقية أكبرها مدينة بغداد حيث كان يقطنها 50000 خمسون ألف يهودي وأقلها مدينة كربلاء حيث كان اليهود فيها لا يتجاوزون المائة وستون فرداً , أما في إحصاء عام1947 فلقد بلغ تعداد اليهود في العراق 117877 مائة وسبعة عشر ألف وثمانمائة وسبعة وسبعون نسمة , بينهم عدد كبير من الأغنياء وذوي الاختصاصات , وكان لليهود مقبرة خاصة تقع في شارع الشيخ عمر".

مدينة كفري والشاب أحمد:

شهدت مدينة كفري عبر مراحل التأريخ منذ أن كانت عاصمة لدولة مستقلة تحمل اسم( كيماش) في العهد البابلي وأعطت لكل العهود رجال أفذاذ وشخصيات مهمة غير إنها ظلت علماً منسياً ولم تكن أن تتعلق بحاشيته الزمن , وكلمة كفر كما يذكر في المنجد تطلق على نوع من القار يستخدم في طلاء السفن والبواخر, ويلاحظ في أطراف المدينة وأطلالها مناجم عملاقة للفحم الحجري , حيث استخرج العثمانيون الفحم منها في الحرب العالمية الأولى لتشغيل المكائن والآلات والقاطرات وكذلك لأمور التدفئة وإدامة السفن , لكن الأستاذ طه باقر يعتقد إن كلمة كفر متطورة من كلمة كار البابلية , والأديب نريمان يعتقد إنها تعني الفحم , والأستاذ جمال بابان مؤلف كتاب (أصول أسماء المدن والمواقع العراقية) يؤكد إن كفر كلمة تطلق على نوع من الأشجار الدائمة الخضرة كانت غابات تغطي المنطقة قديماً وهذا ما يؤكده الأستاذ مكرم الطالباني ابن المدينة ووزير ري سابق.
تخبرنا المصادر التأريخية أن هذه المدينة كانت مركزاً لدويلة مستقلة تسمى (قوشة جابان)حيث كان موقعها آنذاك في ( أسكي كفري) شمال المدينة ولا زال آثار التهري والدمار والانهيار ماثلة للعيان, كما فيها شواهد لموقعة(قزلر قلعسي) التي تدور حولها والأساطير والقصص المشوقة وموقعة (7 مغارة) حيث المعابد الزرادشتية السبعة المتلاصقة أحدها بالآخر ولكنها قد نسفت بالديناميت من قبل العابثين لسرقة آثارها أيام النظام السابق , وهنالك مواقع أثرية أخرى منها موقعة ( دربندي تالا) وموقع( آسكي كفري) ومغارة ( كوبان) وقلعة (شيروانة ) الرائعة في بنكرد المسمى ب( دامش أتان).
كفري تشتهر ببساتينها الغناء , وكانت قديماً ملتقى الطرق التجارية إلى جانب موقعها الستراتيجي والصناعي حيث تقع في منتصف الطريق التجاري القديم من بلاد فارس إلى بغداد حيث كثرت حانات المسافرين للاستراحة وألتبضع في آن واحد.
يبلغ عدد سكانها 30 ألف نسمة وأغلبهم من الكورد والتركمان وكانت تسكن أقلية يهودية من (26) عائلة حسب ما ورد في ( أخبار كفري وحوادثها من 1940 إلى 1960) للأستاذ هاشم سيد أحمد , إذ تمتهن العوائل اليهودية الصيرفة والأعمال التجارية ولهم توراة كدار للعبادة لا زالت قائمة ولكن استخدمت فيما بعد تسفير اليهود كأستوديو للتصوير من قبل أحد الأهالي, وفي هذه المدينة مقبرة في موقع (دربندي تالا) تعرضت في سنوات الحصار إلى العبث من قبل البسطاء ظناً منهم إن قبور اليهود تضم ذهباً إلى جانب رفاة الموتى.
ويذكر السائح والصحفي الألماني ( توماس شميد نيكر) إن (كفري كانت مدينة تجارية قديمة تضم جالية يهودية كبيرة تعد الثانية بعد بغداد , وكانت هذه الجالية تعيش إلى جانب الأهالي الكورد والتركمان بحيث بلغت نسبتهم ربع سكان المدينة وثالث فئة فيها وتربطهم علاقات المحبة والمعرفة فيما بينهم , ويتصف أهل كفري بالتسامح ولا زالت هذه التقاليد باقية إلى الخمسينات من القرن الماضي ),وعند دعوة الحكومة الملكية العراقية عام1950 لإسقاط الجنسية العراقية عنهم كان عدد اليهود في كردستان حوالي 13000 نسمة , أسقطت الجنسية العراقية عنهم وهجًروا إلى إسرائيل وجمدت أموالهم المنقولة وغير المنقولة عنوه ,بعد أن كان التعايش والتسامح سائداً بينهم وبين المسلمون ويعيشون بينهم سوية في تلك المدينة , أما العرب فقد وصلوا المدينة عندما بدأت حملات السلب والنهب لأموال اليهود التي بدأت في بغداد وامتدت إلى المدن التي تحوي اليهود ومنها كفري للمساهمة في نهب أموال اليهود المهجًرين.
لقد رفضوا يهود كفري استقبال خبر تأسيس دولة يهودية في فلسطين عام 1948 , واعتبروها كيات صهيوني معادي للقومية العربية ولكن عام 1951 كان عام محاربة الدولة للطائفة اليهودية , عام إسقاط الجنسية عن يهود العراق , حيث شوهدت العجلات العسكرية تنقل يهود كفري مرغمين حتى لم يتمكنوا من شحن أمتعتهم.
عندما التقى الزائر والصحفي والسائح توماس شميد نيكر عام 2008 بالسيد أحمد من أهالي كفري يذكر هذا السيد للسائح توماس شميد نيكر , إن هنالك طفل صغير يهودي كان خارج المدينة يعمل راعياً للأغنام , وعند عودته قبل غروب الشمس لم يجد أسرته وذويه وأي من أقاربه فالجميع أجبروا على المغادرة , هذا الطفل لم يرى ويسمع شيء عن ذويه منذ ذلك التأريخ , فتبنته عائلة مسلمة واعتنق الإسلام وحمل أسماً مسلماً , إذ تم تسفير أكثر من 130 ألف يهودي عراقي إلى قبرص ومنها إلى إسرائيل , ثم توالت هجرة اليهود إلى إسرائيل , ولكن قيام ثورة 14 تموز 1958 ودعوة الزعيم عبد الكريم قاسم إلى المحافظة على دور العبادة وممارسة الطقوس الدينية في الأعياد والمناسبات في كل من بغداد والموصل والبصرة.
عند مجيء البعث للسلطة عام1968 لقي اليهود الكثير من المضايقات والاعتقالات والتصفية داخل السجون وعلى أعواد المشانق بتهمة التجسس لدولة إسرائيل , وقد حارب البعث السامية حيث تم إعدام بعد محاكمة 14 تاجر بظمنهم 9 تجار يهود بتهمة التجسس لإسرائيل وتم إعدامهم وعرضهم في ساحة التحرير في بغداد على أعواد المشانق.
في عام 2003 بعد رحيل نظام البعث لم يبقى من يهود العراق إلا (30-40) شخصاً وكانوا من كبار السن ولكن الجمعيات اليهودية لم تتركهم فقد تمكنوا من ترحيلهم إلى إسرائيل, ونلاحظ إن كبار السن من أبناء كفري القدامى يتذكرون أيام معيشتهم مع مواطني البلد من اليهود وأغلب يهود العراق الذي هاجروا وهجًروا لا يزالون يرتبطون بذكريات وعواطف توجه اتجاه وطنهم العراق , إلا إن الدستور الجديد بعد عام 2003 وجه صفعه لتلك الأحلام والأماني : بجواز اكتساب العراقي جنسيتين في آن واحد ما عدا إسرائيل.
لكن لو نعود إلى الطفل الذي كان يرعى أغنامه هو نفس السيد أحمد الذي يدعي في لقاء مع الصحفي الألماني أثناء تهجير ذويه وقد وقع تحت رعاية أشراف المدينة حيث عمل عند بلوغ سناً متقدماً مساعداً لسواق الباصات الخشبية , وقد سجلوا ذويه اسمه في السجلات عند بلوغهم الدولة اليهودية كونهُ تخلف عنهم , وقام هذا الصحفي الألماني بتوجيه الجمعية اليهودية العراقية بتنفيذ وصية والدية بمتابعة هذا اليهودي(أحمد) عام2008 والتقى به , لقد اضمحل شعب بكامله عاش في العراق أكثر من 2500 عام بسبب سياسات الحكومات الجائرة وتنفيذ مخططاتهم المعادية للآخر من جوانب عده , منها معاداتهم للسامية والجوانب الدينية وإقصائها.


حنين يهود العراق الى ماضيهم


ذكريات عراقية في وثائق منسية– يقدمها أ.د. شموئيل (سامي) موريه: (3)

مهداة الى اصدقائي العرب الذين ارسلوا اليّ تهانيهم بمناسبة عيد رأس السنة العبرية الجديدة

عائلة يهودية في بغداد
عائلة يهودية بغدادية
ما زلت الى اليوم كلما استمعت الى قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي التي غناها مطرب الاجيال محمد عبد الوهاب في حضرة الملك الهاشمي فيصل الأول في بغداد، أشعر بقشعريرة عميقة من الحنين تسري في كياني، مستشعرا حريقا في شغاف القلب، ونياطه تتقطع حنينا الى ربوع الطفولة والشباب وانا استمع الى الصوت المخملي الحنون يفتت الصخر الجلمود حنينا وأسى:
يا شراعاً وراء دجلة يجري      في دموعي تجـنبتك العوادي
سِـرْ على الماء كالمسيح رويداً   واجرِ في اليمّ كالشعاع الهادي
وَأتِ قاعاً كرفرفِ الخلدِ طيـباً     أو كفردوسـه بشاشـة وادي
قف، تمهل، وخذْ أماناً لـقـلبي      من عيون المها وراء السواد
وأسلوب شوقي في اسلامياته وغزله هو إلهام لدني وسحر حلال. وأعود الى سنوات الصفاء قبل هجرتنا حين كنا نشعر بنفحات الخلد طيبا، تهب من دجلة والفرات رافدي الخير والبركة، نسيما عليلا، يوم كان اهله في بشاشة الفردوس ونعيمه، في ايام عز العراق تحت رعاية الملك فيصل الأول، يأتمرون بوصيته الوطنية: "الدين لله والوطن للجميع".
وما زلت أتذكر بساتين العراق وقد كستها الأعشاب الى خاصرتي، تبدو برقة الديباج، "كرفرف الخلد طيبا". وأسائل النفس، ترى لماذا هذا الحنين الطاغي بعد أكثر من ستين عاما على الرحيل؟ واي شيء يشد يهود العراق إليه إلى يومنا هذا؟، فتراهم محافظين على لهجتهم وأغانيهم وعاداتهم وتقاليدهم وذكرياتهم في العراق وذكرى الاصدقاء والجيران الذين عاشوا معهم اياما خصيبة وعصيبة، وهم يتسقطون أخباره ويحزنون لمآسيه؟ ورحت اقلب صفحات التاريخ لعلي اعثر على الجواب الشافي. فأفتح كتاب "رحلة بنيامين التطيلي النباري الاندلسي" (من 1165م-1173م) التي ترجمها عن الاصل العبري وعلق حواشيها وكتب ملحقاتها الاستاذ عزرا حداد، (بغداد، 1945)، لاقف على شهادة شاهد من أهلها. ويسعفني الحظ، فأعثر على حديث هذا الرحالة اليهودي الأندلسي عن بغداد (ص 131-139)، في أواخر خلافة المستنجد بالله العباسي (1160-1170م). فإذا به يتحدث عن عز الخلافة العباسية وعن اليهود وثروتهم واملاكهم والاحترام الذي كانوا يتمتعون به لدى الخلفاء العباسيين الذين كانوا متمسكين بالآية الكريمة: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوءة" (الآية 16 ك سورة الجاثية 45). فيحترمون أنبياءَهم واحفاد ملوكهم وأنييائهم ويبجلونهم.
يقول بنيامين التطيلي عن يهود بغداد التي زارها: "يقيم في بغداد نحو 40 ألف بهودي وهم يعيشون بأمان وعز ورفاهية في ظل أمير المؤمنين الخليفة ... اما رئيس هؤلا العلماء جميعهم فهو الربي دانيال بن حسداي الملقب "سيدنا رأس الجالوت" ويسميه المسلمون "سيدنا ابن داود"، لأن بيده وثيقة تثبت انتهاء نسبه الى الملك داود ... وتقضي التقاليد المرعية بين اليهود والمسلمين وسائر ابناء الرعية بالنهوض أمام رأس الجالوت وتحيته عند مروره بهم. ومن خالف ذلك عوقب بضربه مائة جلدة. وعندما يخرج رأس الجالوت لمقابلة الخليفة يسير معه الفرسان من اليهود والمسلمين. ويتقدم الموكب مناد ينادي بالناس: "اعملوا الطريق لسيدنا ابن داود". ويكون الرئيس ممتطيا صهوة جواد وعليه حلة من حرير مقصب وعلى رأسه عمامة كبيرة تتدلى منها قطعة قماش مربوطة بسلسلة منقوش عليها شعار الخليفة. وعندما يمثل في حضرة الخليفة يبادر الى لثم يده. وعندئذ ينهض الخليفة وينهض معه الحجاب ورجال الحاشية، فيجلس الرئيس فوق كرسي مخصص لجلوسه قبالة الخليفة ... وجري الاحتفال بنصب رأس الجالوت الجديد بمهرجان مشهور، إذ يبعث اليه الخليفة بأحدى ركائبه الملوكية فيتوجه الى قصر الخلافة، وفي ركابه الأمراء والنبلاء ومعه الهدايا والتحف النفيسة للخليفة ورجال قصره. وعندما يمثل بين يدي الخليفة يتسلم منه كتاب العهد..."
كنيست من بغداد
اثارهم في كنيست بغداد
ويبدو أن مثل هذا النظام بقي جاريا مع كبار العلماء اليهود والأطباء منهم خاصة، الذين كانوا يتعممون بعمامة لها ذؤابة لعلها شبيهة بعمامة رأس الجالوت في بغداد أيام عزها، بل كان جلوسهم قبالة السلطان أيضا، وعند دخولهم كان المسلمون يقفون لهم احتراما. ويروي ابن بطوطة (1304-1378) الغرناطي والطنجي مولدا والمتعصب في تطبيق أحكام الذمة، في رحلته (بيروت 1964، ص 302)، إنه عند زيارته للسلطان التركي محمد بن آيدين: "أتى شيخ على رأسه عمامة لها ذؤابة، فسلم عليه وقام له القاضي والفقيه، وقعد أمام السلطان فوق المصطبة والقراء اسفل منه، فقلت للفقيه: من هذا الشيخ؟ فضحك وسكت، ثم اعدث السؤال، فقال لي: هذا يهودي طبيب، وكلنا محتاج اليه، فلأجل هذا فعلنا ما رأيت من القيام له". فأخذ ابن بطوطة الامتعاض، وجعل يهين الطبيب على جلوسه فوق قراء القرآن، وشتمه، ورفع صوته، فأنكر السلطان فعلته، وغضب اليهودي وخرج من المجلس. ألا يذكرنا موقف ابن بطوطة المتعصب من موقف المتعصبين اليوم من الأقليات الدينية في البلاد الإسلامية، فزرعوا الكراهية وقاموا باضطهادها وبتهجيرها وتدمير الكنس والكنائس. ويبدو ان الرحالة المغربي في زمن الموحدين المتعصبين قدم الى العراق في أواخر العصر العباسي الذهبي، وقد صوح غصن الاندلس الرطيب بالحروب الداخلية والأحقاد والتعصب الديني، ولم يكن هذا السائح يعلم بالاحترام الذي كان يكنه المشرق الإسلامي لليهود، فلم يستطع عقله استيعاب ما يراه من عجائب المجتمع العراقي من سماحة الاسلام في العصر العباسي الذي ازدهرت فيه الفلسفات اليونانية وتياراتها الاسلامية من معتزلة ومتكلمين وملامتية ودهريين, ذكرتني هذه الحادثة التاريخية بموقف المتزمتين من كارهي الأقليات والحاقدين الذين يرون ان الديموقراطية والمساواة هي من عمل الشيطان، فيهاجمون كل من ينصف يهود العراق ويحاول رد الاعتبار إليهم من احرار الكتاب اليوم، ويهاجمون في تعليقاتهم على مقالات الكتاب الديموقراطيين، لان ميولهم السياسية لا تروقهم مستخدمين كلمات واسلوب ذكرني باسلوب الموحدي المغربي، فأسلوب الحقد والكراهية يسود ايام غروب مجد الأمم، وفي عز إشراقها يسود فيها التسامح والاخاء والتعاون واكتساب العلوم ونشرها وانفتاح العلماء على علوم الشعوب الأخرى ودراستها والاستفادة منها.
 وهذا ما جرى في الأمبراطورية العثمانية التي فتح السلطان العثماني بايزيد الثاني ثغورها أمام يهود الاندلس الذين طردهم التعصب المسيحي مع المسلمين من الأندلس عام 1492، فقد فتح هذا السلطان بلاطه أمام الاطباء والعلماء اليهود ومنهم من كان خبيرا في صنع المدافع الثقيلة وصب ماسوراتها، وهو فن برع فيه يهود الاندلس ويتطلب خبرة خاصة. ويقال ان الامبراطورية العثمانية صمدت أمام الصراع مع أوروبا خمسة قرون إضافية بفضل الصناع اليهود وحكمائهم الذين خدموا العثمانيين باخلاص وصدق وكان منهم المستشار والطبيب والمنجم والصراف باشي وهو بمثابة وزير المالية آنذاك.
ويبدو ان هذا الصفاء والوفاء بين المسلمين واليهود في العصر العثماني بقي الى بعد سقوط الامبراطورية العثمانية ودخول البريطانيين الى بغداد يوم 11 آذار/ مارس، 1917. وعن الحياة الرغيدة التي سادت بين المسلمين والاقليات الدينية في العراق. حيرني تفسير هذه الظاهرة في حب يهود العراق لأرض السبي حيث علقنا اعوادنا على صفصافها الغض تتدلى اغصانها كسواد فروع النائحات على ضياع الملك، واليوم ينوح العراق على ماض مجيد انتهى بمصرع العائلة المالكة الهاشمية بكل وحشية حاقدة تكتسح أمامها كل من اراد خير العراق، حتى الزعيم الخيّر عبد الكريم قاسم الذي اراد خير الشعب العراقي بقلبه طاهر، أعدموه بغدر تعف عنه الوحوش الكاسرة. ثم عثرت بين اوراقي المبعثرة على مقال لاحد محبي العراق كتبه الصحفي الكبير الأستاذ منشي زعرور، الصحفي العراقي الذي خدم الصحافة اليسارية في العراق والذي غمط حقه حتى زعيم الحزب الذي خدمه بكل اخلاص، الى ان اضطر الى مغادرة مسقط رأسه مع الهجرة الجماهيرية لليهود عام 1950-1951. يروي لنا الأستاذ منشي زعرور، الصحفي العراقي الذي خدم الصحافة اليسارية في العراق وحوزي جزاء سنمار، الى ان اضطر الى مغادرة مسقط رأسه مع الهجرة الجماهيرية لليهود عام 1950-1951. انار هذا المقال حلكة الحيرة واشار الى احد الاسباب الرئيسية لحلول الخير والبركة في وادي الرافدين في الماضي، ألا وهو التسامح الديني وحب ابناء العراق بعضهم لبعض دون حزازات طائفية أو دينية أو مذهبية، وعملهم الدؤوب لخير العراق واهله.
اعدام يهود
اعدام يهود عراقيين في عهد البعث
 كتب الأستاذ الصحفي المرحوم منشي زعرور، أبو ابراهيم الذي كان يرتاد حلقات جامع الحيدرخانة ويوقع مقالاته باسم السَمَيْدع العربي، مقاله الذي يحن فيه الى ماضي العراق حين عاش المسلمون مع غيرهم من الملل بالتآخي والحب والصفاء، في مقال له بعنوان: "خواطر عن ليالي بغداد"، نشره في مجلة "المصور" [تل ابيب – يافا، العدد 125، السنة 6، 25 مايو/أيار 1966، ص 26] فتحدث عن: "ذكريات جميلة عدت عليها السنون وكادت أن تطمس معالمها مع ما فيها من عبر وعظات وشواهد على أن القوم في العراق كانوا يعيشون متعاونين متحابين على اختلاف مللهم ونحلهم بما كانوا عليه من خصال حميدة وتقاليد موروثة هي من القيم الروحية في الصميم ومن الضوابط الخلقية في مدى بعيد..."
ويواصل الاستاذ منشي زعرور قوله: "ذكرتنا "المصور" بما نشرته في عدديها الأخيرين من عرض لكتاب "المقام العراقي" [للشاعر ابراهيم عوبديا، رابطة الجامعيين النازحين من العراق، 1999] والتعقيب عليه، ذكرتنا بأيام حلوة وليال أحلى ، ذكرتنا بعهد في بغداد كانت أغانيها ومقاماتها في لياليها البيض قاسما مشتركا بين مسلميها ويهودها. ذلك العهد الذي كانت السياسة فيه لم تخضع تلك الأغاني والمقامات لخدمة أبالستها وشياطينها، وكان أصحابها أرفع من أن يقبلوا على أنفسهم أن يكونوا آلات مسخرة لأي طاغية من الطغاة يسبحون بحمده ويحرقون له البخور...

ويواصل الاستاذ منشي زعرور حديثه عن بغداد بقوله: "وبغداد هذه التي نتكلم عليها، هي بغداد قبل الاحتلال البريطاني وبعده بقليل، يوم كانت مدينة صغيرة تمتد على حافتي دجلة من جانبيها الشرقي والغربي- الرصافة والكرخ- ولم يكن عرض كل جانب أكثر من أربعة كيلو مترات، أما في الطول فهي ممتدة من باب المعظم إلى باب الشرقي لا أكثر

من بضعة كيلو مترات ... وصفوها هذا هو الذي كان يساعد ساكنيها على سماع أي مغن في الليل في أي مكان منها، خاص وأنها كانت خالية من وسائل النقل لهذا العصر من محركاته الميكانيكية ومن مصانعه الآلية... فليلها ساكن هادئ ولا يعكر صفو هذا السكون إلا دوي اطلاقات نارية بعض الأحيان ينبعث من بساتين ضواحيها ومن بعض طرقاتها حين يطارد العسس اللصوص فيتبادل الطرفان إطلاق العيارات النارية ... كان أهل بغداد يومذاك شغوفين كثيرا بالمقام العراقي، وكانت مدينتهم لا تخلو في لياليها من أفراح كثيرة، وقد اعتاد الموسرون منهم أن يحيوا حفلات ساهرة في بيوتهم تمتد كل ساعات الليل حتى الصباح يعزف فيها جوق الجالغي ويغني مغنون كثيرون هم على أصناف من حيث مرتبة فن المقام. وكان هؤلاء المغنون يكادون يشنفون أسماع أكثر سكان المدينة لصفوها وهدوئها، ومن هنا يقول الشيوخ، إن احمد زيدان مثلا كان يغني في جانب الرصافة فيسمعه أهل الكرخ، وكانوا يحسبون خطأ أن ذلك يعود إلى قوة صوته! ... وأعود إلى ليالي بغداد يومذاك فأكثر مسلميها كانوا يفضلون في أفراحهم وأعراسهم إقامة المواليد النبوية وهذه المواليد تحييها أجواق عديدة من منشدي التسابيح والحمد للخالق العظيم ونبيه الكريم، وكان يغشى هذه المواليد أناس كثيرون من غير دعوة فيعمرون صدورهم من الروحانيات فتزداد مروءاتهم وتخفق قلوبهم بحب الخالق وبمصافاة خلقه طرا، ويتناولون كل ما لذ طعمه وطاب شربه فيحمدون ويشكرون وأكثرهم يرددون في دخائل نفوسهم: "إن شكرتم لازيدنكم"،  وتمتد السهرة حتى الفجر غير أن أناسها يمضون ساعات بعد منتصف الليل بعد اختتام قراءة قصة المولد الكريم بإقامة الذكر، والذكر أيضا فيه امتداح للخالق ولأنبيائه ورسله جميعا، ففيه يؤلف نفر من الحاضرين دائرة وهم وقوف ماسك احدهم بيد الأخر فيتحركون حركات منظمة رتيبة وكلهم بأصوات منسجمة منغمة يرددون: "لا أله إلا هو"، بينما يواصل ضاربو الدفوف نقر دفوفهم وفق تنغيم أهل الدائرة، وبين حين وأخر يغني احدهم مقاما بالاماديح النبوية فيتساوق تماما مع النقر والتنغيم ويكون في وسط الدائرة شاب وسيم الطلعة يغطي رأسه "بقاووغ" طويل منقوش بألوان زاهية ويرتدي "تنورة" فضفاضة من النسيج الحريري ويسمون هذا الغلام "ملوي"، يظل يدور بخفة كاللولب وسط الدائرة طيلة مدة الذكر فلا يتعب ولا يكل خلال ساعة أو أكثر وترى الناس من حول الدائرة سكارى وما هم بسكارى ولكن الخشوع الروحاني قد أغرقهم بفيضه المقدس فراح كل منهم يمدح ويسبح ويستغفر ويتضرع إليه تعالى أن يمد خلائقه بالخير والبركات والإيمان.
وفي وسط وهج هذا الجو الروحاني يرتفع صوت احد ضاربي الدفوف وكان صاحبه كالقمر وسط هالة من زملائه يغني مقاما بصوت عريض رخيم فيه بحة محببة، وكان أهل بغداد عامة يعرفون هذا الصوت وصاحبه فيطربون له أكثر مما يطربون لغيره وكل منهم يقول "الله يطول عمرك يا احمد شعبان". وكان هذا أكثر ما يغني من شعر التزهد لأبي العتاهية إسماعيل بن القاسم العباسي من ذلك مثلا في الذكرى الحسنة بعد الموت:
كـل حـي عند ميتته  حظه من ماله الكفن
إن مال المرء ليس له  منه إلا ذكره الحسن
في سـبيل الله أنفسنا  كلـنا بالموت مرتهن
وكان أهل بغداد يحبون مغنيا أخر يهوديا هو واحمد شعبان في مستوى رفيع واحد عندهم من حيث أغانيهما الدينية والروحانية وهذا المغنى اليهودي هو "إفرايم بابايي"، بلغ الان من الكبر عتبا ويعيش في إسرائيل بعافية وصحة، أتمنى على الله أن يكون زميله احمد شعبان لا يزال حتى الان حيا معافى يرزق في بغداد.
وإفرايم هذا كان يرأس جوقا يغني أفراده تسابيح واماديح لله بكلمات عبرية شعرية من نظم الحاخامين البغداديين، وهذا الجوق يكاد يشبه احد أجواق قراء المولد النبوي عند المسلمين. ولا تدهش يا أخي القارئ حين أقول ذلك، أن تسابيح واماديح أغنيات بابايي وجوقه تكاد لا تخرج عن نطاق مثيلاتها الروحانية عند أجواق المواليد النبوية، وأكثر من ذلك أن سكان أي حي من إحياء بغداد المختلطة بسكانها تجد مسلميها فرحين مسرورين بليلة يحيى فيها جوق بابايي حفلة في احد بيوت يهودها وكان أكثر اليهود يفضلون - كالمسلمين- إقامة مثل هذه السهرات التسبيحية الروحانية على الجالغي. وكثيرا ما كان يدعى مسلمون ومسلمات من الجوار إلى حضور هذه السهرات فيحضرونها بشوق وفرح، ويقاسمون أهلها اليهود أطايب أطعمتهم على أساس "طعامهم حل لكم وطعامكم حل لهم" .
أما تلاحين أغنيات التسابيح والاماديح الروحانية فهي واحدة في النغم والأداء والمقاطع والقفلات عند المسلمين واليهود.
وجوق افرايم بابايي هذا كان مؤلفا برئاسته من طلاب ثانويات يهود من أصحاب الأصوات الرخيمة والحناجر القوية المرنة، أما صوته هو فكان "داووديا" كما يصفه أهل فن الغناء البغداديون، أي انه صوت فيه رخامة وفيه نبرة حلوة وقوية، وكان صاحبه يدرب أفراد جوقته على الغناء والأداء ويترجم لهم كل عبارة وعبارة من المنظومات الشعرية العبرية ومعانيها وما تتطلبه هذه المعاني من الأداء ليستقيم المعنى والنغمة، وكان أفراد أجواق قراء المواليد المسلمون يعجبون بوحدة أصوات افراد جوق بابايي، وأهل بغداد كما أسلفت، على اختلاف منازعهم ومذاهبهم، وكانوا يقدرون جوق بابايي فينصتون لتراتيله وتنغيماته كإنصاتهم لتراتيل وتنغيمات اجواق المواليد، وكانوا حين يذكرون احمد شعبان يقرنونه بافرايم بابايي فيطرون الاثنين معا، لان صوتهما كانا يجلجلان في أجواء بغداد أكثر لياليها والدعوات المتبادلة بين المسلمين واليهود إلى حضور الأفراح والأعراس عند الفريقين كانت تقليدا اجتماعيا يحرص عليه الكل، فعندما كان روبين رجوان احد مغنى المقام العراقي البارزين يشترك مع جوق الجالغي في سهرة ببيت احد المسلمين كان يحلو لهم الرجاء إليه أن يغني عند الفجر المقام الخَلـْوَتي بكلمات اعتاد مؤذنو جوامع بغداد في تمجيدهم بصحن المئذنة قبل صلاة الجمعة أن يقولها بنغم هذا المقام ومطلعها:
"سبحانك ما حمدناك      حق حمدك، يا موجود"،
 وكان الحاضرون يهللون للمغني رجوان ويشكرون على أدائه هذه الكلمات الروحانية كما يؤديها أي مؤذن، ولكن صوت رجوان كان أرخم وتمكنه من المقام كان يجلو هذا التمجيد للخالق جلاء نورانيا مقدسا."
إلى هنا ما رواه الاستاذ زعرور، وما زال يهود العراق الى اليوم ينشدون باللغة العربية في صلواتهم الصباحية بصوت رخيم الرباعيات التي مطلعها:
قوموا صلّوا الفجر بيّن    أدي فرضك لا تـديّن
                       واليـقول القـبر هـيّن   فـيه عقرب ثم حية
تُرَى هل تسري مثل هذه الذكريات الصافية في لا وعي اليهود العراقيين الى اليوم أبا عن جد، ويبقى الحنين؟ كنا في اجتماع تكريمي في يوم 30 آب من هذا العام، للأديب والصحفي باروخ مئيري لمناسبة صدور مجموعته القصصية "حب الرقي" (رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق، 2011) يروي فيها باللغة العبرية حكايات طفولته وهجرته وعمله مراسلا ومديرا لمكتب جريدة "معاريب" في اورشليم-القدس, فإذا باحد الحاضرين البصراويين يقدم نفسه باسم فريد، يطلب إلقاء قصائد حنين الى مسقط رأسه. ومن يستطيع في مثل هذه الاجتماعات رد مثل هذا الطلب، وقف على المنصة وأنشد:
أيا دجلة والفرات         ما للشوق يدفعني؟
ليته لربى بغداد            والبصرة يرجعني
أذوب حنينا إليكم       فهل الصبر يرحمني
أمْ ترى لا رجع للصدى، فليس من يسمعني
صفق له الحاضرون، سألت السيد موشيه هنجبي، المعلق للشؤون القانونية في صوت اسرائيل باللغة العبرية الذي شارك في الأمسية، كيف يفسر حنين اليهود الى العراق؟ وهل سمع بشأعر من يهود أوروبا ينشد شعر حنين الى اية دولة من دولها؟ فقال في حيرة مما سمع، بانه لايدري كيف يفسر هذا الحنين، ولم يسمع عن من كتب قصائد حنين الى دول أوروبية.
ولكن هذا الحنين يشوبه ألم لما يحدث في العراق اليوم وما جنته دول الجوار من شيعة وسنة على الفراتين الخالدين. واليوم لم تُجدِ دموع أمير الشعراء ولا دعاء الشاعر ابراهيم عوبديا قبل وفاته بأيام: "يا ربّ نجِ العراقَ من محنِه"، من تجنيب دجلة والفرات من العوادي، ولم تجد دموع الايتام والأرامل ومحبي العراق ومغتربيه في تجنيبه المصائبه، وتذكي نيران اللوعة في جوانحنا مآسي العراق المتتالية، منذ ان دخلت النظريات الغريبة وفلسفاتها فشوهت اخلاق الشرقيين بإثارة الاحقاد والكراهية والاطماع وانكار الآخر وتجريده من حقوقه الوطنية من مساواة وحرية وتسامح وديموقراطية، هذه النظريات القومية الشوفينية المتغطرسة كانت السبب في تشريد واعتقال وشنق خيرة الشباب العراقي.
واليوم أرهف السمع لعلي أسمع اصداء أغاني العراق في مقاهي شارع أبي نواس والرشيد وعلى مياه دجلة والفرات حين كانت الزوارق تتهادى بعشاقها وبالاصدقاء والعائلات السعيدة من سمار الليالي المقمرة والاسماك تمرح حولها في قفزات سرور ومرح وقوانيس الزوارق تعكس اشعتها المزغردة المهللة لأفارحهم على صفحات النهر الخالد، والندامى في سمرهم تحت قمر العراق الضاحك، ينطلقون بالأغاني عن ظلم الحبيب وجراحاته وآهات الغرام؟ فلا اسمع اليوم سوى دوي المفخخات وأنين الجرحى وبكاء الأرامل والأيتام، وقد صمت ايقاع نقر الدرابك في ليالي العراق المقمرة ايام طفولة السياب. كان ذلك في ايام عزّ العراق، واليوم يا عراق، حنيني إليك يكوي اضلعي ومصائبه حرائق في دمي، فقد أصبح  العراق اليوم شماتة للاعادي، فتقطع عن دجلة والفرات المياه من الشرق فتاوى العمائم واللحى، ومن الشمال يقطعها وريث السلطان الأحمر الغاشم، الذي ما زالت البلاد العربية تعاني من آثاره، وما زالت ساحات دمشق تحمل اسماء الثوار العرب الذين شنقهم جمال باشا السفاح، وسفاح دمشق الجديد يقتل خيرة شبابها في شوارع سوريا التي تحمل اسماء شهداء العرب ضد العثمانيين، ونرى هذا الوريث يصبح أسدًا على شعبه وهو في الحروب نعامة. ولسان الحال يقول:
يا جراحاً وراء دجلة تدمى    في دموعـي تجنبتـكِِ العوادي
تأتي قاعا قد كان بالامس روضا      صار قـفـرا شماتةً للأعادي
قف، تمهل، وخد أماناً لقلبي         من دموع الأيتام تحت السواد